في اليوم الدولي لمساندة ضحايا التعذيب :التعذيب في العالم العربي أحد أشكال الانتقام ضد مطالب الديمقراطية والإصلاح السياسي

torture


 بقلم: محمد الأحمدي، سلمى أعجم، شُهيدة

يعتبر التعذيب سمة بارزة للأنظمة العربية، على الرغم من أن العديد من الحكومات قد صادقت على اتفاقية مناهضة التعذيب. وعلى مدى السنوات الماضية، تصاعدت وتيرة القمع واتخذت أشكالاً عديدة، نظراً لتعدد الأطراف المتورطة في الانتهاكات، وتزايد تأثير النزاعات المسلحة في انتشار مناخ الإفلات من العقاب على جرائم الاختطاف والاختفاء القسري والتعذيب. ناهيك عن تداعيات جائحة كورونا واستخدامه كذريعة في كثير من الحالات لممارسة القمع وانتهاكات حقوق الإنسان.
 من مصر مرورا بسوريا والإمارات والسعودية والعراق ولبنان والجزائر والمغرب والسودان والأردن والبحرين واليمن وصولا إلى موريتانيا وغيرها، وثقت الكرامة حالات تعذيب وقدمت شكاوى وتقارير إلى آليات الأمم المتحدة ذات الصلة. وتسعى لتدخلها لإنصاف الضحايا ومكافحة سياسات التعذيب والإفلات من العقاب.
 في أوقات سابقة، لجأت الأجهزة الأمنية في العالم العربي إلى التعذيب كوسيلة لإكراه الضحايا على الاعتراف، ولكن في أعقاب الثورات العربية منذ بداية العقد الثاني من هذا القرن، أصبحت أساليب التعذيب جزءًا من  أدوات القمع للانتقام من النشطاء بشكل خاص والشعوب بشكل عام مقابل المطالبة بالحرية وضمان الحرية.  الحقوق المدنية والسياسية، وتعني إضفاء الطابع المؤسسي على التعذيب ليصبح جزءًا من واقع الوضع الذي تنوي الشعوب العربية التعايش معه.

مصر.. التعذيب تمهيدا للمحاكمات
 علاوة على ذلك، في مصر، ممارسات التعذيب منهجية منذ لحظة القبض عليهم وأثناء اعتقالهم في السجون المصرية.  منذ وصول المشير عبد الفتاح السيسي إلى السلطة، تم اعتقال المعارضين السياسيين للنظام بشكل منهجي واحتجازهم في أغلب الأحيان بطريقة تعسفية في ظروف احتجاز لا تحترم الحد الأدنى من معايير الاحتجاز وفقًا لحقوق الإنسان (العزل،  الحرمان من النهار، والعنف الجسدي ...) وغالبًا مع الحرمان من الرعاية الطبية، وهو شكل من أشكال التعذيب المعنوي والجسدي.
 وكان هذا النوع من الاعتقال هو سبب وفاة الرئيس الراحل محمد مرسي الذي حُرم من الرعاية الطبية حتى وفاته عندما تطلبت حالته الصحية رعاية خاصة للغاية.  قدمت الكرامة شكوى إلى الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي في 10 يوليو/ تموز 2013 للاعتراف بالطبيعة التعسفية لاحتجاز محمد مرسي من أجل تسليط الضوء على ظروف الاحتجاز التي تعرض لها.
 كما تشن مصر حربًا بلا رحمة ضد الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان الذين يستخدمون حقهم في التعبير ويمارسون انتزاع الاعترافات منهم تحت التعذيب من أجل محاكمتهم في محاكمات جائرة.  ومن بين هذه الحالات الصحفي المصري ومراسل الجزيرة عبد الرحمن شاهين، الذي أُجبر على التوقيع على اعتراف كاذب تحت التعذيب وتعرض أيضًا لسوء المعاملة والإذلال أثناء الاحتجاز.  قدمت الكرامة قضيته إلى المقرر الخاص المعني بحرية التعبير والرأي في 6 سبتمبر/ أيلول 2017. وكانت الكرامة قلقة للغاية خلال السنوات القليلة الماضية من عودة ظهور حرية التعبير والرأي في مصر، والتي تعد السبب الرئيسي للتعذيب في السجون المصرية.

 اليمن مسرح مفتوح للتعذيب
 وفي اليمن، كشف الصحفيون المفرج عنهم من سجون الحوثيين عن أساليب تعذيب مروعة، تقدمت الكرامة بشكوى بشأنها إلى الأمم المتحدة، فيما لا يزال عدد من رفاق هؤلاء الصحفيين رهن الاعتقال التعسفي ويواجهون الإعدام أمام قضاة عينهم المتمردون الحوثيون.
 كتبت الكرامة في 12 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء أو بإجراءات موجزة أو تعسفاً، أغنيس كالامارد، بشأن مقتل الشاب اليمني إبراهيم الشمساني تحت التعذيب في أحد سجون المملكة العربية السعودية، وفقاً لما أثبته تقرير الطبيب الشرعي.
 إبراهيم محمد محيوب سعيد الشمساني، من مواليد محافظة تعز اليمنية، يبلغ من العمر 35 عامًا، ويعمل ملازمًا أول في خفر السواحل اليمني. تولى أكثر من مهمة شرطية في حماية الموانئ اليمنية، وعين مديرا للاتصالات بميناء الحديدة، والتحق ضمن الدفعة الأولى للتدريب في منطقة جازان جنوب المملكة وحصل على شهادات في عدة دورات عسكرية.
 لا تعرف عائلته متى تم اعتقاله، لكنها تذكر أن آخر اتصال له معهم كان عبر مكالمة هاتفية أثناء خدمته العسكرية في جزيرة ميون، في 17 يونيو/ حزيران 2019.
 في 31 يوليو/ تموز 2019، فوجئت عائلته برسالة من ضابط يمني تفيد بأنهم تلقوا رسالة من المخابرات السعودية تفيد بأن الضحية انتحر شنقًا في سجن جازان، بينما لم تكن أسرته تعلم من قبل أنه معتقل لدى السعوديين.
 وبحسب شهادة زملائه، جاء ضباط سعوديون واعتقلوه أثناء خدمته في جزيرة ميون، بالتواطؤ مع ضباط يمنيين، قاموا بتغطية وجهه واقتادوه إلى متن بارجة سعودية في المياه الإقليمية، ومنها إلى أحد السجون السعودية في جازان.
 قامت عائلته بعرضه على الطبيب الشرعي الذي أجرى فحصًا للجثة، وأصدر بدوره تقريرًا يؤكد تعرضه للتعذيب.  حصلت الكرامة على نسخة من تقرير الطب الشرعي، وحصلت على صور مروعة تظهر آثار التعذيب على أطراف الضحية، بما في ذلك إزالة الأظافر، وكدمات في باطن القدمين نتيجة ذلك.  الضرب، فيما أفاد تقرير الطب الشرعي بأن موت الشمساني كان نتيجة الاختناق بآلة حادة.

السجون الإماراتية السرية في اليمن
 أنشأت الإمارات شبكات سجون سرية في العديد من المناطق اليمنية، بما في ذلك السجون السرية في منشأة بلحاف التي تديرها شركة توتال الفرنسية في محافظة شبوة جنوب شرق البلاد، بالإضافة إلى سجون أخرى يشرف عليها ضباط إماراتيون وتديرها ميليشيات أنشأتها وتمولها الإمارات وتعمل بالوكالة لصالحها.
 وفي هذا السياق وثقت الكرامة حالة الشقيقين محمد سعيد عمر القميشي وصالح سعيد عمر القميشي اللذين ما زالا مختفين قسريا في سجون سرية تابعة لدولة الإمارات في جنوب اليمن منذ تسلمهما من القوات المدعومة إماراتيا في العاصمة المؤقتة عدن في سبتمبر/ أيلول 2016.
 وتقول أسرة الشقيقين إنهم تمكنوا من رؤية الضحيتين في سجن المنصورة بعدن خلال شهر سبتمبر 2016، وظهرت آثار التعذيب على جسديهما وهي الزيارة اليتيمة، قبل اختفاء آثارهما حتى اللحظة،  كما أفادت سلطات الاعتقال أنه تم تسليمهما إلى القوات الإماراتية في عدن، ولم تتلق الأسرة بعدها أي اتصال منهما، ولا تعرف مكانهما أو مصيرهما.

 الجزائر.. حرب على الحَراك
 على الرغم من الحظر المطلق للتعذيب بموجب الاتفاقية وعلى نطاق أوسع بموجب القانون الدولي، فإن ممارسات التعذيب هذه مستمرة في مناطق معينة من العالم.  وحتى اليوم، فإن العديد من الدول الأطراف، بما في ذلك الجزائر، لا تفي بالتزاماتها الدولية.  على الرغم من أنه وفقًا للاتفاقية التي تم التصديق عليها في 12 سبتمبر / أيلول 1989، فإن التعذيب محظور في التشريعات المحلية، إلا أن الواقع على الأرض مختلف تمامًا.
 منذ إنشائها في عام 2004، وثقت الكرامة عددًا كبيرًا من الانتهاكات التي تشهد على ممارسة التعذيب المنهجية والمؤسسية.  وتتواصل هذه الأعمال، التي توصف بأنها جرائم ضد الإنسانية، دون عقاب.  في بعض الأحيان، يصل هذا الإفلات من العقاب إلى ذروته من خلال اعتماد قوانين عفو ​​لصالح الجناة (راجع ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، الأمر رقم 2006-01).
 على مر السنين، استمرت حالات التعذيب في الازدياد واستمرت الكرامة في تلقي شهادات من ضحايا التعذيب.  وآخرها قضية عبد الرحمن لبرش، مدرس وباحث بريطاني جزائري سابق، تم اعتقاله بشكل تعسفي خلال زيارة إلى البلاد وتعرض للتعذيب حتى إطلاق سراحه من قبل المخابرات الجزائرية.
 وتبقى مخاوف الكرامة من تكاثر الانتهاكات في إطار الذكرى الثانية لـ "الحراك"، انتفاضة شعبية ضد النظام ومن أجل الديمقراطية.  ويشارك مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، عن حق، في هذا القلق الذي تلقى "ادعاءات جديدة بشأن العنف الجسدي والجنسي أثناء الاحتجاز".
تظهر الأحداث الأخيرة أن مكافحة التعذيب لم تنته بعد.  ومع ذلك، من الضروري الاستمرار بتصميم في هذه المعركة القانونية باسم حقوق الإنسان من خلال إيلاء أهمية خاصة لاحترام الالتزامات الدولية من أجل ضمان استعادة حقوق الضحايا وكرامتهم.

 

فيديو الكرامة