يأتي اليوم الدولي لمساندة ضحايا التعذيب هذا العام في لحظة فارقة تشهد فيها المنطقة العربية تراجعاً حاداً وغير مسبوق في الضمانات القانونية الأساسية لحماية الأفراد من التنكيل، حيث لم يعد التعذيب مجرد ممارسات معزولة أو تجاوزات فردية يجري التحقيق فيها، بل تحول في سياقات عدة إلى أداة بنيوية معتمدة لإدارة السجون ومراكز الاحتجاز، والتحكم في الفضاء العام، وإسكات أصوات المعارضة والمدافعين عن حقوق الإنسان.
وتُصدر المنظمات الحقوقية هذا الموجز بمناسبة اليوم الدولي لمساندة ضحايا التعذيب (26 يونيو/ حزيران) كوثيقة رصدية وقانونية تهدف إلى تعرية أنماط التعذيب الممنهج في العالم العربي، وتسليط الضوء على الضحايا الذين تحاول السلطات تحويلهم إلى مجرد أرقام خلف الجدران.
إن ما توثِّقه فرقنا الميدانية وشركاؤنا من شهادات وأدلة حية ومحدثة، يستوجب تجاوز لغة الإدانة التقليدية والذهاب مباشرة نحو تفعيل آليات المحاسبة الدولية؛ فالتعذيب جريمة مطلقة الحظر في القانون الدولي، ولا تُبيحها حربٌ، ولا استقطاب سياسي، ولا تذرُّع بضرورات أمنية.
ولتقديم قراءة منهجية وإحاطة شاملة بأبعاد هذا الملف، نتناول الواقع الراهن عبر أربعة محاور رئيسية؛ حيث يستعرض أولاً الوقائع الميدانية والأنماط الموثقة في المنطقة، ويفكك ثانياً الإطار القانوني الدولي الحاكم لجريمة التعذيب، فيما يسلط الضوء ثالثاً على بنية الإفلات من العقاب التي تضمن استمراره، ليخلص رابعاً إلى المطالب والتوصيات العاجلة المرفوعة لصناع القرار والجهات الدولية.
أولاً: وقائع موثَّقة: سياقات التعذيب وأنماطه في المنطقة
تُوثِّق منظماتنا من خلال هذا التقرير أنماطاً ممنهجة من التعذيب وسوء المعاملة في عدة سياقات عربية، حيث يمتد حظر التعذيب ليُلزم الدول وأطراف النزاع المسلح من غير الدول على حدٍّ سواء، وفق القانون الدولي الإنساني العرفي والمادة الثالثة المشتركة لاتفاقيات جنيف:
1- فلسطين / غزة
في سياق الحرب الإسرائيلية المتواصلة على غزة منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، تلقَّت منظماتنا شهادات موثوقة تصف تعذيب معتقلين فلسطينيين في مرافق احتجاز عسكرية إسرائيلية، تشمل الاعتداءات الجنسية والإيذاء الجسدي، والحبس الانفرادي المطوَّل، والإذلال المنهجي، ومنع الرعاية الطبية عن المصابين. كما وثَّقت هيئات أممية احتجاز عاملين صحيين وصحافيين بما يتعارض صراحةً مع اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين في زمن الحرب.
وتظل آليات الرقابة المستقلة محدودة في ظل القيود الإسرائيلية المفروضة على الوصول إلى مناطق الاحتجاز.
2- مصر: سياسة "التعذيب والتنكيل المؤسسي الممنهج"
تجاوزت ممارسات التعذيب وسوء المعاملة في السجون ومقار الاحتجاز ومرافق الأمن في مصر حدود التجاوزات الفردية أو الأنماط التقليدية للإيذاء البدني، لترقى إلى سياسة رسمية وإدارية مقصودة وممنهجة.
وتكشف القراءة المتفحصة لهذا الملف عن صياغة بيئة متكاملة تتوخى "التنكيل المؤسسي"، حيث تُستغل ثغرات الإجراءات ونصوص اللوائح كغطاء قانوني لإهلاك المحتجزين بدنياً ونفسياً، ونزع إنسانيتهم بالتدريج عبر ثلاثة مسارات تدميرية:
- التعذيب بالإهمال (القتل البطيء): ويتمثل في الحرمان المتعمد والروتيني من الدواء والرعاية الطبية، ومنع الزيارات، وتحويل مقار الاحتجاز إلى أدوات لتصفية المعتقلين السياسيين جسدياً دون أثر ظاهر، بدلاً من كونها مرافق سالبة للحرية بموجب القانون. وتكشف الأرقام الميدانية الموثقة عن حجم هذه الكارثة؛ إذ سُجلت وفاة 1266 معتقلاً داخل السجون بين عامَي 2013 و2025 جراء التعذيب وهذا الإهمال الطبي الممنهج، فضلاً عن رصد 13 حالة وفاة إضافية داخل مقار الاحتجاز في الأشهر الأولى من عام 2025 وحده.
- التعذيب بالوقت (عقوبات مفتوحة): ويظهر في تحويل الحبس الاحتياطي من إجراء قانوني استثنائي إلى عقوبة استباقية مفتوحة لا تنتهي، تلتهم أعمار المحتجزين عبر بدعة "التدوير" القانوني، والتي تعني إعادة احتجاز الشخص على ذمة قضايا جديدة مفبركة فور صدور قرارات قضائية بإخلاء سبيله. وفي هذا السياق، وثقت التقارير الحقوقية الميدانية 229 واقعة تدوير خلال عام 2023، و206 وقائع أخرى في النصف الأول من عام 2024، شملت محامين، وصحفيين، وأطباء، ونساءً، وقاصرين.
- التعذيب الجماعي (الانتهاك عابر الجدران): وهو النمط الذي يمتد ليتجاوز السجين ويستهدف عائلته بالتضييق والمنع والتغريب الجغرافي، لإذلال المحتجز وكسر إرادته عبر التنكيل بذويه وأطفاله.
ويترافق كل ذلك مع الأساليب التقليدية الموثقة بدقة مثل الضرب، والصعق الكهربائي، والتعليق بالأطراف، والعزل الانفرادي المطول، والعنف الجنسي، في ظل رصد نحو 75 حالة تعذيب موثقة في السجون ومقار الاحتجاز الرسمية بين يناير/ كانون الثاني 2024 ويونيو/ حزيران 2025، بالتزامن مع توثيق إخفاء قسري طال أكثر من عشرين ألف شخص حتى نهاية عام 2025.
وتتجسد هذه البنية التنكيلية في حالات فردية صارخة؛ من أبرزها حالة الفنان التشكيلي أشرف عمر والصحفي خالد ممدوح، اللذين اعتُقلا في يوليو/ تموز 2024 واحتُجزا بمعزل تام عن العالم الخارجي، وتعرضا للتعذيب والتهديد بالصعق الكهربائي لانتزاع اعترافات تحت الإكراه.
وفي المقابل، يقابل القضاء والنيابة العامة هذه الجرائم بتواطؤ ملموس يُرسخ "الإفلات شبه المطلق من العقاب"؛ حيث رُفضت الشكاوى الرسمية المقدمة للتحقيق في وفاة سبعة أشخاص داخل قسم شرطة العمرانية بالجيزة بين مارس/ آذار 2024 ومايو/ أيار 2025 دون إبداء أي أسباب قانونية.
ورغم أن السلطات المصرية قبلت توصيات حماية المحتجزين من التعذيب خلال جلسة الاستعراض الدوري الشامل للأمم المتحدة في يناير/ كانون الثاني 2025، إلا أنها رفضت المصادقة على البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب، مما يؤكد وجود فجوة هائلة بين الخطاب الدبلوماسي والممارسات الميدانية خلف الأبواب المغلقة، والتي ترقى بوضوح إلى مرتبة الجرائم ضد الإنسانية التي لا تسقط بالتقادم وتستوجب ملاحقة مرتكبيها وممكّنيها قضائياً.
3- الجزائر
صادقت الجزائر على اتفاقية مناهضة التعذيب منذ عام 1989، غير أنها تواصل مواجهة ادعاءات جدية بالتعذيب وسوء المعاملة في حق المعتقلين السياسيين والمدافعين الحقوقيين والصحفيين.
وتكشف الحالات الموثَّقة عن نمط متكرر يشمل التعذيب الجسدي والنفسي خلال الاحتجاز الانفرادي، وانتزاع الاعترافات قسراً، ورفض القضاء النظر في الادعاءات حتى حين يُعلنها المتهمون أمام المحاكم.
وعلى الصعيد البنيوي، لم تصادق الجزائر على البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب، ولا تمتلك آليةً وقائية وطنية مستقلة تُجري زيارات منتظمة لأماكن الاحتجاز، فيما يُشكِّل الاحتجاز المطوَّل في قضايا الإرهاب مقروناً بتقييد حق الوصول إلى المحامين بيئةً مواتية للتعذيب تُعسِّر توثيقه والمساءلة عليه.
وفي يناير/ كانون الثاني 2025، أعربت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالمدافعين عن حقوق الإنسان عن قلقها البالغ إزاء استمرار تجريم المدافعين الحقوقيين بعد أكثر من عام على زيارتها للجزائر.
وفي فبراير/ شباط 2025، وجَّهت منظمات دولية رسالةً مفتوحة مشتركة إلى مجلس حقوق الإنسان الأممي تطالب بمحاسبة الجزائر على القمع المتصاعد للمجتمع المدني والمعارضة السلمية.
4- المملكة العربية السعودية
تواصل المملكة العربية السعودية مواجهة ادعاءات موثوقة بالتعذيب وسوء المعاملة في حق المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي.
وتُشير تقارير منظمات حقوقية مقدَّمة إلى الأمم المتحدة إلى أن السلطات تُخضع المحتجزين بصورة معتادة للحبس الانفرادي والاحتجاز الانفرادي الانعزالي، فيما يتعرض المعتقلون لإساءات جسدية من قِبَل الحرَّاس وإهمال طبي.
ومن أبرز الحالات الموثَّقة المواطن الفرنسي، السيد عمرو عبد الفتاح، الذي اعتقلته قوات الأمن في 16 يونيو/ حزيران 2024 بمكة المكرمة، حين اكتشف الأمن السعودي عدم صلاحية تصريح حجه بعدما وقع ضحية لشبكة احتيال منظمة لتأشيرات الحج، وكان قد دخل المملكة بنية أداء فريضة الحج وبشكل قانوني ظاهرياً. وبدلاً من ترحيله وفق القانون، تم احتجازه تعسفياً لأكثر من 11 شهراً قبل إحالته للمحكمة، فيما لا يزال قيد الاحتجاز، تعرض خلاله لتعذيب وحشي شمل الضرب المبرح، والتهديد بالقتل، وركله وطرح جسده بقوة على الحائط، مما أدى لنقله للمستشفى في حالة طوارئ، وفق إفادة أسرته.
وقد أطلقت منظماتنا في يناير/ كانون الثاني 2026 نداءً عاجلاً للمجتمع الدولي والضمير العالمي للتدخل الفوري لإنقاذ حياة السيد عمرو عبد الفتاح، الذي يواجه خطر الموت والتعذيب والاختفاء القسري داخل السجون السعودية.
إلى ذلك، لا يزال عدد من العلماء وقادة الرأي يواجهون موتًا بطيئًا في معتقلاتهم بموجب أحكام جائرة وظروف احتجاز غير مواتية، بينهم سلمان العودة وسفر الحوالي وعوض القرني الذين صدرت بحقهم آراء من فريق العمل الأممي المعني بالاحتجاز التعسفي تؤكد الطابع التعسفي لاحتجازهم، وذلك بموجب شكاوى قدمتها الكرامة أمام الفريق.
5- الإمارات العربية المتحدة
تُجمع منظماتنا على أن الإمارات تنتهج منظومةً ممنهجةً من التعذيب وسوء المعاملة تستهدف المعارضين والمدافعين الحقوقيين داخلياً، فضلاً عن تورطها الموثَّق في جرائم تعذيب خارج حدودها. فعلى الصعيد الداخلي، أصدرت المحكمة الاتحادية العليا في يونيو/ حزيران 2025 أحكاماً برفع عدد السجن المؤبد إلى 67 حكماً في سلسلة المحاكمات الجماعية الجائرة الممتدة منذ قضية "الإمارات 94"، في ظل حبس انفرادي مطوَّل رفضت المحكمة وقفه حتى خلال شهر رمضان.
ويبقى المدافع الحقوقي أحمد منصور، المعتقل منذ مارس/ آذار 2017، نموذجاً صارخاً؛ إذ يُمضي سنوات في الحبس الانفرادي المطلق مع حرمان شبه تام من الزيارات العائلية.
أما على الصعيد الإقليمي، فتتورط الإمارات في جرائم التعذيب في ثلاث بؤر نزاع:
- في اليمن عبر قوات المجلس الانتقالي الجنوبي التي تُدير مواقع احتجاز سرية وثَّقت فيها منظمات حقوقية عمليات إخفاء قسري وتعذيب.
- وفي السودان حيث تكشف أدلة متراكمة عن دعم إماراتي لقوات الدعم السريع المتهمة بجرائم حرب وإبادة في دارفور، وهو ما دفع الحكومة السودانية إلى رفع دعوى أمام محكمة العدل الدولية في أبريل/ نيسان 2025 تصف فيها الإمارات بأنها "المحرك الرئيسي للإبادة الجارية".
- وفي ليبيا عبر دعم ميليشيات موثَّق تورطها في عمليات خطف وتعذيب ممنهجة. ولا تزال الإمارات ترفض المصادقة على اتفاقية مناهضة التعذيب وتُحكم إغلاق مرافق احتجازها أمام أي رقابة دولية مستقلة.
6- اليمن
وثَّقت منظمات ونشطاء حقوقيون استمرار سياسات التعذيب من قِبَل أطراف متعددة بما فيها قوات موالية للحكومة وجماعة الحوثيين، في مراكز احتجاز سرية تفتقر إلى أي إشراف قضائي أو رقابة مستقلة.
وتشير الشهادات الموثَّقة إلى الصعق الكهربائي، والتعليق في أوضاع مؤلمة، والحرمان من النوم، والعنف الجنسي بحق الرجال والنساء في عدد من مرافق الاحتجاز.
ويزيد من خطورة هذا الواقع أن أكثر من عشر سنوات من الصراع أفرزت منظومة احتجاز موازية خارج نطاق الدولة وآليات المساءلة الرسمية.
وتمتد دائرة الضحايا إلى فئة المهاجرين الأفارقة العابرين لليمن في طريقهم إلى دول الخليج، حيث وثَّقت المنظمات احتجازهم من طرف جماعة الحوثيين في ظروف سيئة وتعريضهم لانتهاكات جسيمة، دون أي محاسبة تُذكر لمرتكبيها. كما تُسهم شبكات تهريب يديرها قياديون حوثيون في تسليم بعض هؤلاء المهاجرين إلى عصابات مسلحة في المناطق الحدودية، تُمارس بحقهم الابتزاز والتعذيب مقابل فرض إتاوات مالية للسماح لهم بالمرور، في ظل تواطؤ أو تقاعس متعمد من سلطات الأمر الواقع عن وقف هذه الجرائم أو ملاحقة مرتكبيها.
ويتجدد التساؤل حول حدود الإفلات من العقاب مع استمرار مطالبات صحفيين أفرج عنهم من سجون الحوثيين بمساءلة رئيس لجنة شؤون الأسرى والمعتقلين الحوثية، عبد القادر المرتضى، الذي روى عدد من الصحفيين المختطفين سابقاً تورطه المباشر، بمن في ذلك وفق شهاداتهم، في تعذيبهم وممارسة أشكال من المعاملة الوحشية بحقهم خلال سنوات احتجازهم.
وقد طالب صحفيون مفرج عنهم المبعوث الأممي إلى اليمن بإيقاف مشاركة المرتضى ونائبه في مشاورات تبادل الأسرى، فيما لا تزال هذه المطالبات بلا استجابة تذكر، في غياب أي آلية دولية فعالة لإحالة الملف إلى المساءلة القضائية.
7- السودان
منذ اندلاع النزاع المسلح في أبريل/ نيسان 2023، وثَّق مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان ومنظمات حقوقية شريكة ادعاءات ذات مصداقية بارتكاب قوات الدعم السريع عمليات تعذيب ممنهجة بحق المحتجزين المدنيين، إلى جانب عنف جنسي واسع النطاق وصفه خبراء أمميون بأنه يرقى إلى مستوى جرائم الحرب. ويُجمِّد انعدامُ الرقابة القضائية وتعطُّل أجهزة الدولة المدنية أيَّ مسعى جاد للتحقيق أو المساءلة.
8- ليبيا
في ظل الانقسام السياسي والمؤسسي المزمن في ليبيا، يواصل مراقبون أمميون وحقوقيون توثيق تعذيب في مراكز احتجاز تتبع ميليشيات مسلحة لا تخضع لسلطة مركزية أو رقابة قضائية.
وتُشير التقارير إلى أن المهاجرين واللاجئين المعتقلين يتعرضون لانتهاكات فظيعة تشمل التعذيب والعنف الجنسي وانتزاع الاعترافات قسراً، في حين يواجه المحققون الدوليون عقبات جدية تحول دون وصولهم إلى هذه المرافق.
9- العراق
ترصد منظماتنا شهادات موثوقة تتحدث عن تعذيب في مرافق احتجاز تتبع فصائل مسلحة خارج نطاق السيطرة المدنية، بما فيها احتجاز أشخاص في مواقع سرية واستخدام اعترافات منتزعة بالإكراه أدلةً في محاكمات قضائية.
وتُعيق الحصانة الفعلية التي تتمتع بها هذه الفصائل إجراء أي تحقيق جاد، فيما يتعرض الضحايا الذين يتقدمون بشكاوى للضغط والترهيب.
10- لبنان
ما زال التعذيب في لبنان يُشكِّل جرحاً مفتوحاً في جسد العدالة، إذ تحوَّل من ممارسة استثنائية إلى ثقافة مترسِّخة داخل بعض الأجهزة الأمنية والقضائية، لا تكتفي بارتكاب الانتهاكات، بل تعمل على توفير الغطاء لمرتكبيها وتسهيل إفلاتهم من العقاب عبر التلاعب بالإجراءات وإهمال الشكاوى وطمس الأدلة.
وتُوثق الأنماط الميدانية ممارسات تطال فئات متعددة بمن فيهم القاصرون. ففي إحدى دراسات الحالة الصادرة في يونيو/ حزيران 2026، أوقفت مخابرات الجيش قاصراً لبنانياً يبلغ من العمر 16 عاماً في طرابلس، وتعرَّض للضرب والتعذيب، واحتُجز لفترة مطوَّلة لضمان زوال الآثار قبل تسليمه.
وحين مثَل أمام قاضية التحقيق وأخبرها بتعرضه للتعذيب بعد أن لاحظت تورم أنفه بنفسها، لم تتخذ أي إجراء، بل أصدرت مذكرة توقيف بحقه مُغلِقةً الملف على أساس إدانته، قبل أن يجري التحرك القانوني لطلب تعيين طبيب شرعي مستقل.
وتتقاطع هذه الحالة مع نمط بنيوي أوسع تُوثِّقه التقارير الحقوقية المرفوعة إلى مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، يشمل غياب الرقابة المستقلة على أماكن الاحتجاز التابعة للأجهزة الأمنية، واستخدام قوانين مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة ذريعةً للاحتجاز التعسفي وانتزاع الاعترافات بالإكراه، وإحالة شكاوى التعذيب إلى جهات تفتقر إلى الاستقلالية.
ويُضاف إلى هذا الواقع تدهور الأوضاع الإنسانية الناجمة عن العدوان الإسرائيلي على لبنان، الذي أفرز أزمة نزوح قاسية فاقمت هشاشة الفئات الأكثر عرضةً للانتهاكات من لاجئين ومهاجرين وأشخاص مُهجَّرين.
وعلى الرغم من مصادقة لبنان على اتفاقية مناهضة التعذيب والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتلافية حقوق الطفل، يظل تطبيق هذه الالتزامات رهينَ إرادة سياسية وقضائية غائبة.
واستجابةً لهذه التحديات، تبرز أهمية عمل مراكز إعادة تأهيل ضحايا التعذيب المتخصصة التي افتتحت أواخر عام 2024 لتقديم الدعم الطبي والنفسي والاجتماعي والقانوني للضحايا؛ حيث استقبلت حتى الآن 107 ضحايا تعذيب، وقدمت مئات الجلسات والخدمات العلاجية، إضافة إلى متابعة عشرات الملفات القانونية المتعلقة بالتعذيب والاحتجاز والاختفاء القسري.
وفي إطار الاستعراض الدوري الشامل للبنان أمام مجلس حقوق الإنسان في يناير/كانون الثاني 2026، قدمت الدول الأعضاء سلسلة من التوصيات المتعلقة بمكافحة التعذيب، شملت ضمان التحقيق المستقل في جميع الادعاءات، وتعزيز استقلالية الآلية الوطنية الوقائية، وتحسين ظروف الاحتجاز، ومكافحة الإفلات من العقاب، وضمان حصول الضحايا على الإنصاف وجبر الضرر.
ومن المقرر أن يعتمد مجلس حقوق الإنسان التقرير النهائي للبنان في دورته المنعقدة أواخر يونيو/حزيران 2026، بما يشكل فرصة مهمة للسلطات اللبنانية لإظهار التزامها بتنفيذ هذه التوصيات وترجمة التزاماتها الدولية إلى إجراءات ملموسة.
11- تونس
تتواصل المخاوف الحقوقية من التراجع الحاد في أوضاع حقوق الإنسان في تونس منذ يوليو/تموز2021، في ظل تقويض استقلال القضاء وتوسع الملاحقات والمحاكمات ذات الطابع السياسي.
ويترافق ذلك مع تصاعد مقلق لممارسات التعذيب وسوء المعاملة داخل أماكن الاحتجاز، بما في ذلك الضرب والصعق الكهربائي والتعذيب الجنسي، فضلاً عن وفاة عدد من المحتجزين في ظروف مثيرة للقلق.
كما وثقت آليات الأمم المتحدة ومنظمات دولية انتهاكات جسيمة طالت معتقلين سياسيين ولاجئين ومهاجرين، ما يعكس عودة ممارسات قمعية تتعارض مع التزامات تونس الدولية في مجال حقوق الإنسان.
وفي هذا السياق، تواصل الجهات الحقوقية متابعة أوضاع السجناء السياسيين في تونس، معربةً عن قلقها البالغ إزاء تدهور أوضاعهم الصحية وحرمانهم من الرعاية الطبية الملائمة.
وتبرز بشكل خاص حالة رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، الذي شهد وضعه الصحي تدهورا استدعى نقله إلى المستشفى، وسط مطالبات متكررة بالإفراج عنه وعن بقية المعتقلين المرضى وكبار السن، في حين ترفض السلطات التونسية حتى الآن الامتثال لقرارات فريق العمل الأممي المعني بالاحتجاز التعسفي بشأن الغنوشي وقادة آخرين.
وترى منظماتنا أن استمرار احتجاز هؤلاء في ظل الإهمال الطبي والظروف القاسية قد يرقى إلى معاملة قاسية أو لا إنسانية، وانتهاكا صريحا لجملة من المواثيق الدولية التي صادقت عليها تونس، أبرزها قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد مانديلا)، التي تُلزم الدول بضمان الرعاية الصحية لجميع المحتجزين وتوفير ظروف احتجاز إنسانية، والمادة السابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تحظر التعذيب والمعاملة القاسية أو المهينة و المادة العاشرة من العهد ذاته، التي تُقرّ بحق كل شخص محروم من حريته في المعاملة الإنسانية مع احترام كرامته مبادئ الأمم المتحدة المتعلقة بكبار السن، التي تُلزم الدول بصون صحتهم وكرامتهم.
وبناءً على ما ذكر، تُطالب السلطات التونسية، بالإفراج الفوري والإنساني عن جميع المعتقلين السياسيين المسنّين وأصحاب الأمراض المزمنة.، وتوفير رعاية طبية عاجلة وملائمة لكل المحتجزين الذين أُفيد بتردّي أوضاعهم الصحية.ثانياً: الإطار القانوني الدولي: لا استثناء ولا تقادم
ثانيًا: يرتكز هذا التقرير على جملة من الالتزامات القانونية الدولية القاطعة، على النحو التالي:
1- اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب (1984): تُلزم الاتفاقية الدول المصادِقة عليها بتجريم التعذيب جنائياً، والتحقيق الفوري في أي ادعاء، ومحاكمة المشتبه بهم أو تسليمهم وفق مبدأ «أُحكم أو سلِّم» (aut dedere aut judicare)، فضلاً عن تعويض الضحايا وإعادة تأهيلهم.
ومعظم الدول المُشار إليها مصادِقة على هذه الاتفاقية، مما يُرتِّب عليها هذه الالتزامات بصورة مُلزِمة، كما تعد جريمة التعذيب محظورة دوليًا حتى بالنسبة للدول التي لم تصادق على اتفاقية مناهضة التعذيب، وفق مبدأ الحظر الآمر.
2- القانون الدولي الإنساني العرفي: تُلزم القاعدتان 87 و90 من دراسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر لعام 2005 جميعَ أطراف النزاع المسلح، دولاً وجماعاتٍ مسلحةً من غير الدول، بالمعاملة الإنسانية للمحتجزين وبحظر مطلق للتعذيب وسوء المعاملة في جميع الأحوال.
3- مبدأ الحظر الآمر/ القطعي (Jus Cogens): أكَّدت لجنة مناهضة التعذيب ومحاكم دولية عديدة أن حظر التعذيب يحمل طابعاً آمراً/ قطعيًا في القانون الدولي العام، أي أنه لا يقبل أي استثناء أو تعليق بموجب اتفاق أو بذريعة الضرورة، سواء في وقت الحرب أو حالات الطوارئ أو مكافحة الإرهاب.
ولا يسقط بالتقادم ولا تُعفى الدول من المساءلة عنه بأي ذريعة.
4- مبدأ عدم الإعادة القسرية: يُلزم القانون الدولي الدول بعدم ترحيل أي شخص إلى دولة يواجه فيها خطراً حقيقياً بالتعذيب، وهو التزام يتجاوز الاتفاقيات ليبلغ مستوى القانون الدولي العرفي، ويسري على الدول المانحة والشركاء الأمنيين الدوليين على حدٍّ سواء.
ثالثاً: الإفلات من العقاب: الضمان الأول لاستمرار التعذيب
لن يتوقف التعذيب ما دام مرتكبوه بمنأى عن المحاسبة.
وتُجمع منظماتنا من خلال القراءات الميدانية الموثقة على أن ثمة منظومةً مشتركة لإنتاج الإفلات من العقاب في السياقات المُشار إليها تتمثل في:
- تهميش القضاء المستقل وإخضاعه للسلطة الأمنية أو العسكرية التي تحمي منتسبيها من الملاحقة.
- غياب الرقابة المستقلة على مرافق الاحتجاز وانعدام الشفافية حول أعداد المحتجزين وأماكنهم.
- الضغط الممنهج على الضحايا والشهود والمحامين والمنظمات لثنيهم عن تقديم الشكاوى أو المثول أمام هيئات الرصد الأممية.
- التذرع بالضرورة الأمنية والطوارئ لتعليق الضمانات القضائية وإضفاء الشرعية على الاحتجاز غير الرسمي.
- تقاعس الشركاء الدوليين عن ربط تعاونهم الأمني بشروط المساءلة، مما يُغذِّي ثقافة الإفلات ويُعمِّق الأذى.
رابعاً: المطالب والتوصيات المرفوعة
بناءً على ما تقدم من رصد وتوثيق، يتوجه التحالف الحقوقي بالمطالب التالية:
1- إلى حكومات البلدان المعنية وأطراف النزاع:
- وقف فوري وتام لجميع ممارسات التعذيب وسوء المعاملة في مرافق الاحتجاز الرسمية وغير الرسمية.
- السماح الفوري وغير المشروط للجنة الأمم المتحدة الفرعية لمنع التعذيب والمراقبين المستقلين بالوصول إلى جميع أماكن الاحتجاز.
- إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة في جميع الادعاءات وتقديم المشتبه بارتكابهم التعذيب إلى محاكمة عادلة دون تأخير.
- توفير التعويض الكافي وإعادة التأهيل للضحايا، وضمان عدم تكرار الانتهاكات بتدابير هيكلية مُثبَّتة.
- رفع الحصانة عن منتسبي الأجهزة الأمنية والميليشيات المتورطة في التعذيب، وإلغاء كل نص قانوني يُفضي إلى هذه الحصانة.
2- إلى مجلس حقوق الإنسان والأجهزة الأممية المعنية:
- إنشاء آليات تحقيق دولية مستقلة أو تعزيز القائم منها في السياقات التي تعجز فيها الأجهزة الوطنية عن الاضطلاع بهذه المهمة.
- إعمال مبدأ الولاية القضائية العالمية ودعم جهود المحكمة الجنائية الدولية في ملاحقة المسؤولين عن جرائم التعذيب.
- توفير تمويل مستدام لبرامج إعادة تأهيل ضحايا التعذيب في المنطقة العربية وللمنظمات المعنية برصد الانتهاكات.
3- إلى الدول المانحة والشركاء الأمنيين الدوليين:
- ربط التعاون الأمني والمساعدات المالية بشروط حقوق الإنسان القابلة للتحقق، وإيقافها حين يُثبَت تورط الجهة المستفيدة في التعذيب.
- الامتناع عن قبول أي معلومات استخباراتية انتُزعت بالإكراه، والإفصاح العلني عن السياسات المتبعة في هذا الشأن.
خاتمة:
إن الحقائق والأرقام الواردة في هذا التقرير تكشف بوضوح أن استمرار التعذيب في العالم العربي ليس مجرد خلل عابر في الأجهزة التنفيذية، بل هو انعكاس لغياب الإرادة السياسية وتآكل سيادة القانون، وتواطؤ أطراف دولية تغض الطرف عن الجلادين بذريعة الحفاظ على الاستقرار أو الشراكات الاستخباراتية والأمنية.
وتؤكد المنظمات الحقوقية الشريكة في ختام هذا الموجز، أن الصمت الدولي والإفلات من العقاب هما الوقود الحقيقي لاستمرار هذه الانتهاكات المروعة.
وتشدد على أن تضحيات المعتقلين والضحايا وعائلاتهم لن تذهب سدى؛ فالجرائم ضد الإنسانية وفي مقدمتها التعذيب لا تموت بالتقادم، وخارطة الانتهاكات الموثقة اليوم ستكون غداً مستنداً قانونياً أمام محاكم العدل والآليات الدولية لملاحقة كل من أمر أو نفذ أو تستر على سلب المعتقلين كرامتهم وأعمارهم.
ونطلق هذا التقرير الموجز ونحن ملتزمون بمواصلة النضال الحقوقي، وبناء جبهة موحدة لمناصرة الضحايا وملاحقة الجناة، حتى تصبح السجون العربية مرافق خاضعة للقانون، وخالية تماماً من التنكيل.
المنظمات الموقعة:
1- الكرامة لحقوق الإنسان- جنيف.
2- منظمة ضحايا التعذيب- جنيف.
3- منظمة عدالة لحقوق الإنسان- تركيا.
4- منظمة إفدي الدولية- بلجيكا.
5- منظمة صوت حر لحقوق الإنسان
6- منظمة تواصل لحقوق الإنسان- هولندا.
7- منظمة مجلس حقوق المصريين- جنيف.
8- منظمة هيومن رايتس مونيتور- لندن.
9- منظمة التضامن لحقوق الإنسان- جنيف.
10- مركز سيدار للدراسات القانونية- لبنان.