قدّمت الكرامة بتاريخ 15 أبريل/نيسان 2026 مساهمتها السنوية في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بشأن أعمال الترهيب والانتقام التي تُمارس ضد الأشخاص المتعاونين مع آليات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. وفي كل عام، وعملاً بقرار مجلس حقوق الإنسان رقم 12/2، يقدّم الأمين العام للأمم المتحدة إلى مجلس حقوق الإنسان تقريراً يوثّق حالات الترهيب والانتقام ضد الأفراد الذين تعاونوا مع آليات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. ويُعدّ هذا التقرير الأداة الرئيسية للمساءلة داخل منظومة الأمم المتحدة فيما يتعلق بهذه الانتهاكات. وتساهم الكرامة سنوياً في هذا التقرير منذ إنشاء هذه الآلية، من خلال تقديم حالات فردية موثقة لأعمال انتقامية، إلى جانب تحليلات لاتجاهات هذه الممارسات في العالم العربي.
وتكتسب مساهمة هذا العام أهمية خاصة. فللمرة الثانية، قدّمت الكرامة قضيتها الخاصة بصفتها ضحية لأعمال انتقامية، موثقةً الكيفية التي استخدمت بها وزارة الداخلية الفرنسية ادعاءات كاذبة صادرة عن دول مثل الجزائر والإمارات العربية المتحدة، لفرض حظر إداري على دخول أحد مؤسسيها المشاركين، البروفيسور عباس عروة، إلى الأراضي الفرنسية. كما تتضمن المساهمة حالتين جديدتين من المغرب، ومتابعة لحالة قديمة في الإمارات العربية المتحدة، فضلاً عن تحليل لظاهرتين مقلقتين: إسقاط الجنسية باعتباره شكلاً من أشكال الانتقام ضد المدافعين عن حقوق الإنسان، واللجوء المتزايد إلى التعاون الدولي في مجال مكافحة الإرهاب لتسهيل القمع العابر للحدود ضد النشطاء.
وقد علّق مدير الكرامة، الأستاذ رشيد مصلي، قائلاً: "عندما تعتمد دولة ديمقراطية عن علم على معلومات استخباراتية زائفة صادرة عن حكومات استبدادية لمنع مدافع عن حقوق الإنسان من دخول أراضيها، فإنها لا تُخفق فقط في الوفاء بالتزامها بحمايته، بل تنفذ فعلياً إجراءً انتقامياً بالنيابة عن تلك الدولة الاستبدادية".
قضية البروفيسور عباس عروة والكرامة (فرنسا)
يُعدّ البروفيسور عباس عروة عضواً مؤسساً للكرامة وخبيراً معترفاً به في مجال الوقاية من النزاعات وبناء السلام. وهو مواطن جزائري يقيم في سويسرا منذ ثمانينيات القرن الماضي، ويتعاون بانتظام مع السلطات الفيدرالية السويسرية بشأن قضايا تحويل النزاعات ومنع العنف على المستوى الدولي، من خلال معهد قرطبة للسلام – جنيف.
وفي 19 مايو/أيار 2023، وأثناء عودته من مهمة رسمية في مالي نُفذت في إطار شراكة مع وزارة الخارجية السويسرية، مرّ البروفيسور عروة عبر باريس، حيث تم توقيفه في المطار استناداً إلى قرار حظر إداري لدخول الأراضي الفرنسية صادر عن وزارة الداخلية بموجب تشريعات مكافحة الإرهاب الفرنسية واسعة النطاق بشكل خاص. وقد استند الحظر إلى ادعاء يفيد بأنه أحد مؤسسي الكرامة، التي اتهمتها الوزارة زوراً بأنها تحظى بـ«دعم من جماعة الإخوان المسلمين». ولم تُقدَّم أي أدلة سوى مذكرات استخباراتية غير موقعة وغير مؤرخة وخالية من المصادر – تُعرف بـ«المذكرات البيضاء» – تتضمن معلومات صادرة عن أجهزة أمنية أجنبية. وكانت المقررة الخاصة السابقة للأمم المتحدة المعنية بمكافحة الإرهاب قد انتقدت صراحةً مثل هذه المذكرات، معتبرةً أنها تفتقر إلى القيمة الإثباتية والضمانات الإجرائية الكافية، وذلك عقب زيارتها إلى فرنسا.
وعقب توقيفه، حاولت شرطة الحدود في البداية إعادته إلى مالي. وقد أوضح البروفيسور عروة أنه يواجه خطراً جدياً ومتوقعاً يتمثل في نقله لاحقاً إلى الجزائر، حيث يتعرض لخطر موثق يتمثل في التعذيب والاحتجاز التعسفي والمحاكمة غير العادلة. ولم يُعاد توجيه رحلة عودته إلى جنيف إلا بعد تدخل عاجل من الصليب الأحمر الفرنسي.
وطعن البروفيسور عروة والكرامة في قرار الحظر أمام المحكمة الإدارية في باريس. وقد كشفت المذكرات الدفاعية المقدمة من وزارة الداخلية عن مقاربة إشكالية للغاية يمكن توصيفها بأنها انتقامية. فقد أخذت وزارة الداخلية صراحةً على الكرامة تقديمها المساعدة القانونية لضحايا الجرائم ضد الإنسانية في الجزائر، وكذلك مساعدتها القانونية لضحايا الاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب في عدة بلدان عربية. كما أخذت الوزارة على الكرامة رفعها أمام آليات الأمم المتحدة لقضايا انتهاكات الحق في الحياة والحرية والأمن لأشخاص وصفتهم بأنهم «إسلاميون» أو «إخوانيون».
وكانت الكرامة قد عرضت بالفعل أمام آليات الأمم المتحدة قضايا معارضين ومدافعين عن حقوق الإنسان تمت ملاحقتهم في الإمارات العربية المتحدة، مثل مجموعة «الإمارات 94»، والمحامي محمد الركن، والمدافع عن حقوق الإنسان أحمد منصور، الذين اتُّهموا من قبل السلطات الإماراتية بادعاءات مشابهة. علاوة على ذلك، استندت «المذكرات البيضاء» إلى ادعاءات كاذبة صادرة عن دول عربية سبق أن اعتبرت الإجراءات الخاصة للأمم المتحدة أنها تشكل أعمالاً انتقامية.
والأكثر إثارةً للقلق هو المنطق الذي اتسم بانحياز مقلق والمستخدم في المذكرات ضد البروفيسور عروة والكرامة، إذ جرى رفض الأدلة المقدمة لدحض «المذكرات البيضاء» بحجة أن عملهما في الدفاع عن حقوق الإنسان لا يمكن أن يكون «صادقاً». ولم تستند هذه الادعاءات إلى أي وقائع، بل إلى تصورات الإدارة الفرنسية بشأن الهوية الدينية للبروفيسور عروة وغيره من مؤسسي الكرامة. وفي مذكرة مستقلة قُدمت إلى المحكمة، قدّمت الكرامة أدلة تثبت أن عملها في الدفاع عن ضحايا الانتهاكات في مختلف أنحاء المنطقة العربية قد استفاد منه أشخاص من جميع الخلفيات السياسية والأيديولوجية والدينية، وأن عدم التمييز يشكل مبدأً أساسياً في ولايتها ورؤيتها.
وفي 9 أبريل/نيسان 2026، ألغت المحكمة الإدارية في باريس قرار حظر الدخول بسبب «خطأ في الوقائع»، معتبرةً أن أدلة كافية قُدمت لدحض الادعاءات الواردة في «المذكرات البيضاء». وبينما رحبت الكرامة والبروفيسور عروة بهذا القرار، لا تزال هناك مخاوف من أن المحكمة أغفلت توصيف الأساس الذي بُني عليه الحظر باعتباره شكلاً من أشكال الانتقام بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، كما لم تُشر إلى المراسلة الصادرة عن الإجراءات الخاصة للأمم المتحدة والموجهة إلى فرنسا في إطار هذه القضية.
وقد حدّدت مساهمة الكرامة المقدمة إلى الأمين العام للأمم المتحدة ثلاث مخاوف هيكلية ناشئة عن هذه القضية: غياب ضمانات كافية لعدم التكرار؛ والاستخدام العابر للحدود للإجراءات الانتقامية ضد المدافعين عن حقوق الإنسان من خلال أطر التعاون في مجال مكافحة الإرهاب؛ والحرمان التمييزي من الحماية الذي تعتمده بعض الدول الأوروبية تجاه المدافعين عن حقوق الإنسان والمعارضين السياسيين المسلمين أو الذين يُنظر إليهم على أنهم كذلك، على أساس معتقداتهم الدينية الحقيقية أو المفترضة. وحذّرت الكرامة من أن الإطار القانوني الدولي الحالي لمكافحة الإرهاب والوقاية منه ينطوي على تحيز هيكلي ضد بعض النشطاء، إما لأنهم مسلمون أو يُنظر إليهم على أنهم كذلك، أو لأن عملهم الحقوقي يتمثل في توثيق الانتهاكات التمييزية ضد المسلمين أمام آليات الأمم المتحدة، ولا سيما في سياقات مكافحة الإرهاب. ويُشكّل هذا النوع من التمييز، الذي وصفتْه المساهمة بأنه شعور بالذنب أو الاشتباه القائم على الهوية الدينية المفترضة، شكلاً خفياً وخطيراً من الأعمال الانتقامية في سياق التعاون مع الأمم المتحدة.
حالات جديدة من المغرب
محمد عطاوي، مدافع عن البيئة – المغرب
أسّس السيد محمد عطاوي، وهو تقني في مجال المياه والغابات ومن أبناء منطقة الأطلس المغربي، عام 2006 جمعية محلية تهدف إلى حماية غابات الأرز المهددة بسبب الاستغلال غير القانوني واسع النطاق للغابات. وبعد أن ندّد علناً بما وصفه بـ«مافيا الأرز» وبعجز السلطات عن مواجهة هذه الظاهرة، جرى اعتقاله وملاحقته قضائياً وسجنه، ثم تعليقه عن عمله في الوظيفة العامة. وبعد الإفراج عنه عام 2012، واصل توثيق التدمير البيئي وتقديم الشكاوى إلى السلطات الوطنية.
وفي عام 2023، تواصل مع الكرامة طلباً للمساعدة في رفع قضيته إلى المقرر الخاص المعني بحقوق الإنسان والبيئة. وكانت العواقب فورية. ففي الأسابيع التي تلت تقديم الشكوى، فُتحت بحقه دعاوى جنائية بتهمة التشهير المزعوم. وتؤكد محاضر الاستماع أن الاستجوابات والتحقيقات تناولت شكواه المقدمة إلى الأمم المتحدة، بما في ذلك اتصالاته الهاتفية مع مديرة الكرامة بشأن هذا الموضوع.
وأعقب ذلك سلسلة من الأعمال الانتقامية الخطيرة بشكل خاص، تمثلت في: صدور حكم جنائي بالسجن ثمانية أشهر؛ وتعليق إداري تطور إلى فصل نهائي من الوظيفة العامة بعد 32 عاماً من الخدمة، ما حرمه من دخله ومن المخصصات العائلية؛ إضافة إلى الحجز على ممتلكاته الشخصية لسداد الغرامات القضائية.
سعيدة العلمي، مدونة ومدافعة عن حقوق الإنسان – المغرب
السيدة سعيدة العلمي مدونة ومدافعة مغربية عن حقوق الإنسان، ويُعدّ نشاطها العلني والمستمر على وسائل التواصل الاجتماعي في فضح انتهاكات حقوق المعتقلين موثقاً على نطاق واسع. وفي مارس/آذار 2022، كانت قد أُدينت بالفعل بالسجن ثلاث سنوات بموجب تهم جرّمت ممارستها المشروعة لحقها في حرية التعبير بصفتها مدافعة عن حقوق الإنسان. وقد أُفرج عنها في يوليو/تموز 2024 عقب عفو ملكي.
وفي 1 يوليو/تموز 2025، اختطفها رجال شرطة بلباس مدني في الشارع بعد وقت قصير من بثها المباشر لفيديو تنتقد فيه أوضاع الاحتجاز في بلدها. ولم تعترف السلطات باعتقالها إلا في اليوم التالي. وبعد توقيفها، أحالت الكرامة قضيتها إلى الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي (WGAD)، الذي أخطر الحكومة المغربية رسمياً بالشكوى بتاريخ 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
وفي 25 ديسمبر/كانون الأول 2025، وبعد أسابيع قليلة فقط من إخطار الحكومة بالإجراء المعروض أمام الفريق العامل، تعرضت لسوء معاملة خطير أثناء احتجازها. فقد استجوبها أحد حراس السجن صراحةً حول ما إذا كانت قد لجأت إلى إحدى آليات الأمم المتحدة. وبعد أن أكدت ذلك، تعرّضت للضرب والبصق من قبل عدد من حراس السجن أمام سجينات أخريات، كما تعرضت لإهانات لفظية ووُصفت بأنها «خائنة». ثم خضعت لضغوط نفسية ومضايقات مستمرة. وفي 13 يناير/كانون الثاني 2026، نُقلت إلى سجن يبعد 96 كيلومتراً عن أسرتها، ما أدى إلى زيادة عزلتها، وذلك في إطار أعمال انتقامية مرتبطة بلجوئها إلى الأمم المتحدة.
متابعة: أحمد علي مكاوي (الإمارات العربية المتحدة)
أُدرج اسم السيد أحمد علي مكاوي، وهو مواطن لبناني، في تقارير الأمين العام للأمم المتحدة المتعلقة بالأعمال الانتقامية منذ عام 2019، بعد أن أحالت الكرامة قضيته إلى هذه الآلية. وكان قد حُكم عليه في ديسمبر/كانون الأول 2016 من قبل المحكمة الاتحادية العليا في الإمارات بالسجن لمدة 15 عاماً استناداً إلى اعترافات انتُزعت تحت التعذيب. وفي عام 2017، أصدر الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي رأياً خلص فيه إلى أن احتجازه تعسفي.
وفي تقريره لعام 2020، أشار الأمين العام للأمم المتحدة إلى أن الإمارات أنكرت تعرض مكاوي للاحتجاز التعسفي أو التعذيب أو العزل الانفرادي. أما اليوم، فتشير الكرامة إلى أن وضعه قد تدهور بصورة مأساوية. فهو معزول تماماً عن العالم الخارجي، ولا يُسمح له بأي زيارات، كما يُمنع بالكامل من إجراء المكالمات الهاتفية، إلى درجة أن أسرته باتت تخشى على صحته الجسدية والنفسية.
وفي تقريرها الموجَّه إلى الأمين العام، أكدت الكرامة أن الإصرار الواضح من السلطات الإماراتية على إبقائه خارج أي حماية قانونية، رغم رأي الفريق العامل الذي خلص إلى تعسفية احتجازه، يشكل بحد ذاته عملاً انتقامياً مستمراً. كما أن هذا التعامل يشكل رسالة من السلطات الإماراتية لردع جميع المحتجزين الآخرين عن عرض قضاياهم أمام آليات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.
الاتجاهات المرصودة: إسقاط الجنسية كوسيلة انتقام والحرمان التمييزي من الحماية الدولية
إسقاط الجنسية عن المدافعين عن حقوق الإنسان: التعديل المثير للقلق لقانون الجنسية الجزائري
في ديسمبر/كانون الأول 2025، اعتمد مجلسا البرلمان الجزائري بالإجماع قانوناً يعدّل قانون الجنسية. وقد نُشر التعديل في فبراير/شباط 2026، وأدخل حكماً يسمح بإسقاط الجنسية إدارياً عن المواطنين الذين تزعم السلطات أنهم ارتكبوا، خارج التراب الوطني، أفعالاً «من شأنها الإضرار بمصالح الدولة أو الوحدة الوطنية أو أمن الدولة أو الاستقرار المؤسسي».
وتعكس الأفعال المستهدفة تلك الواردة في تعريف الإرهاب المنصوص عليه في المادة 87 مكرر من قانون العقوبات الجزائري، والذي سبق أن اعتبرت الإجراءات الخاصة للأمم المتحدة أنه يتعارض مع التزامات الدولة الدولية في مجال حقوق الإنسان. إذ يتضمن قانون العقوبات الجزائري صياغة فضفاضة للغاية للأفعال والنوايا المجرَّمة تحت مسمى «الإرهاب» أو «التخريب»، وقد استُخدمت هذه الصياغة لتجريم انتقاد السيطرة المؤسسية للجيش، وهي إحدى أبرز المطالب الشعبية التي عبّر عنها الحراك عام 2019. وقد حذّر خبراء الأمم المتحدة السلطات الجزائرية مراراً من أن المادة 87 من قانون العقوبات ليست فقط غامضة بشكل مفرط بما يخالف مبدأ الشرعية، بل إنها تؤدي حتماً إلى تجريم أفعال تحميها حقوق حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات، فضلاً عن الحق في المشاركة في الشؤون العامة.
والأهم من ذلك أن القانون الجديد يستبعد صراحةً أي طعن قضائي أو إداري للأشخاص المتهمين بممارسة أنشطة منافية لمصالح الدولة أو وحدتها الوطنية أو أمنها أو استقرارها المؤسسي، مما يحرم المعنيين من جميع ضمانات المحاكمة العادلة والإجراءات القانونية الواجبة.
ورغم أن هذا القانون لم يُطبَّق بعد، فإنه يثير قلقاً فورياً وخطيراً، إذ يمكن إعادة توصيف أنشطة مثل تزويد آليات الأمم المتحدة بالمعلومات، أو التواصل مع الإجراءات الخاصة، أو توثيق انتهاكات حقوق الإنسان من الخارج، باعتبارها سلوكيات «تضر بمصالح الدولة». ومن شأن هذه الممارسة أن تعرّض المدافعين الجزائريين عن حقوق الإنسان والمعارضين السياسيين في الخارج لعقوبة انعدام الجنسية التي لا رجعة فيها. وفي مساهمتها المقدمة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، اعتبرت الكرامة هذا القانون مؤشراً مبكراً خطيراً يستوجب اهتماماً صريحاً في تقرير الأمين العام.
عندما تُنفّذ الدول الديمقراطية الأعمال الانتقامية للدول الاستبدادية باسم التعاون الدولي لمكافحة الإرهاب
في مساهمتها إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أبرزت الكرامة اتجاهاً ثانياً بالغ الخطورة ترسّخ خلال الفترة الأخيرة، يتمثل في الدور المتزايد للدول الديمقراطية في تنفيذ أعمال انتقامية صادرة عن دول استبدادية على أراضيها هي نفسها.
ففي السابق، كان القمع العابر للحدود ضد المدافعين عن حقوق الإنسان المتعاونين مع الأمم المتحدة يُوثَّق أساساً في إطار التعاون بين الدول الاستبدادية. غير أن الكرامة لاحظت مباشرةً، من خلال قضية البروفيسور عباس عروة وقضايا أخرى، أن هذه الممارسة امتدت لتشمل التعاون بين الحكومات الاستبدادية ونظيراتها في الدول الديمقراطية، لا سيما عبر تبادل معلومات استخباراتية غير متحقق منها. وقد أظهرت الحالات الموثقة أن معلومات استخباراتية صادرة عن دول استبدادية، تتضمن ادعاءات زائفة بالإرهاب أو «التطرف» ضد مدافعين عن حقوق الإنسان وغيرهم من النشطاء السلميين، يتم تبادلها مع شركاء ديمقراطيين في إطار ترتيبات التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب. وقد اعتمدت عدة دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي على مثل هذه المعلومات دون تمحيص نقدي أو رقابة قضائية مستقلة مسبقة، لتبرير تدابير إدارية شديدة، من بينها حظر الدخول والطرد، بحق مدافعين عن حقوق الإنسان ومعارضين سياسيين ومبلّغين عن الانتهاكات.
وغالباً ما يتم تبرير هذه الممارسات باعتبارها تنفيذاً للأطر الخاصة بمكافحة الإرهاب التي أقرها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بما يضفي عليها مظهراً من الشرعية الدولية. إلا أنها، في الواقع، تعمل كآلية عابرة للحدود لتضخيم الأعمال الانتقامية ضد النشطاء الذين يوثقون من الخارج الانتهاكات المرتكبة في بلدانهم الأصلية. كما شددت الكرامة على أن مثل هذه القرارات الإدارية كثيراً ما تكون مدفوعة بتصورات تمييزية وأحكام مسبقة تُصوّر النشطاء المسلمين باعتبارهم «مشبوهين بطبيعتهم» بمجرد النظر إليهم ضمن إطار مكافحة الإرهاب والوقاية منه. وقد سبق لخبراء الأمم المتحدة أن أشاروا إلى هذا النوع من الوصم للمسلمين بوصفهم «فئة مشتبه بها بحد ذاتها»، وهو ما يعرّض النشطاء الذين يُنظر إليهم على أنهم مسلمون لخطر متزايد يتمثل في حرمانهم من الحماية الدولية ضد الإعادة القسرية إلى بلدانهم الأصلية.
وقد خلص الأستاذ رشيد مصلي إلى القول: "لقد أصبحت البنية الدولية لمكافحة الإرهاب وسيلة لتطبيق إجراءات انتقامية خارج الحدود. ولم يعد يفاجئنا أن تقوم الدول الاستبدادية باختلاق ادعاءات زائفة لمعاقبة من يتعاونون مع آليات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. لكن أن تتبنى دول ديمقراطية هذه الادعاءات دون تمحيص وتستخدمها ضد مدافعين عن حقوق الإنسان يعملون في الخارج، فذلك أمر بالغ الخطورة".
ما الخطوات التالية؟
سيقوم مكتب الأمين العام للأمم المتحدة، بإشراف مساعد الأمين العام لحقوق الإنسان، بدراسة المساهمات الواردة وتجميع مجموعة مختارة من الحالات في التقرير السنوي، مرفقة بتحليل للاتجاهات العالمية والممارسات الجيدة والتطورات السياسية داخل منظومة الأمم المتحدة. وبعد ذلك، ستُعرض هذه الاستنتاجات ضمن التقرير المقدم إلى مجلس حقوق الإنسان، بما يُنتج وثيقة دولية وعلنية يمكن الاستناد إليها لتعزيز المناصرة داخل الأمم المتحدة، ولمساعدة المدافعين عن حقوق الإنسان في الإجراءات القضائية الوطنية.