تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
أسطول الصمود

أثار اعتراض قوات الاحتلال الإسرائيلي لـ"أسطول الصمود العالمي" في المياه الدولية، وما أعقبه من احتجاز وتعذيب مئات النشطاء والمتطوعين الإنسانيين المدنيين، موجة واسعة من الإدانات الحقوقية والدبلوماسية، في ظل توثيق شهادات متطابقة عن انتهاكات جسيمة طالت المحتجزين، شملت الاعتداءات الجسدية والجنسية، وسوء المعاملة، والإذلال، والتعذيب النفسي، في وقائع تعد انتهاكا خطيرًا للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وبالأخص المادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع، والمواد المتعلقة بحماية الإغاثة الإنسانية.

وفي هذا السياق، يؤكد المحامي رشيد مصلي مدير الكرامة بأن "الشهادات المتطابقة الصادرة عن نشطاء أسطول الصمود العالمي تكشف عن نمط خطير من الانتهاكات الإسرائيلية الممنهجة التي لا يمكن التعامل معها باعتبارها حوادث فردية معزولة"، مشدداً على أن ما تم توثيقه من اعتداءات جنسية وتعذيب وإهانات مهينة بحق مدنيين ومتطوعين إنسانيين يعد جرائم خطيرة بموجب القانون الدولي. 

وأضاف مصلي بأن اعتراض سفن مدنية في المياه الدولية واحتجاز ركابها بالقوة، ثم إخضاعهم لسوء المعاملة والعنف، يستوجب تحقيقاً دولياً مستقلاً وعاجلاً، داعياً الدول التي يحمل الضحايا جنسياتها إلى تفعيل آليات الولاية القضائية الدولية لمحاسبة قادة الاحتلال المسؤولين عن هذه الانتهاكات وضمان عدم إفلاتهم من العقاب. 

وبحسب شهادات عدد من النشطاء الذين أُفرج عنهم لاحقاً، فإن القوات الإسرائيلية اعتقلت نحو 430 شخصاً كانوا على متن 50 سفينة إنسانية كانت تحاول إيصال مساعدات إغاثية إلى قطاع غزة، وذلك عقب اعتراض الأسطول في المياه الدولية. وأفاد منظمو القافلة بأن العديد من المحتجزين نُقلوا إلى المستشفيات بعد الإفراج عنهم وهم يعانون من إصابات جسدية وآثار نفسية حادة، فيما وثّق ما لا يقل عن 15 ناشطاً تعرضهم لاعتداءات جنسية، بينها وقائع اغتصاب، وفق ما نقلته وكالة رويترز.

وكشف ناشطون عن تعرضهم للضرب المبرح، والإجبار على البقاء في أوضاع مهينة ومؤلمة، والحرمان من النوم، فضلاً عن تعرض بعضهم لتحرشات واعتداءات جنسية داخل مراكز الاحتجاز الإسرائيلية.

شهادات مروعة 

وفي شهادة مصورة عقب الإفراج عنها، قالت الناشطة الأسترالية فايوليت إنها تعرضت لاعتداءات جسدية وجنسية خلال فترة احتجازها، مؤكدة أن ما عاشته داخل السجون الإسرائيلية “لا يُقارن بما يتعرض له الفلسطينيون يومياً". ودعت إلى محاسبة إسرائيل ووقف الدعم السياسي والعسكري المقدم لها، مطالبة الحكومة الأسترالية باتخاذ موقف واضح تجاه ما وصفته بـ"عار إسرائيل".

كما روت إحدى المشاركات في الأسطول أنها اقتيدت إلى غرفة مظلمة حيث تعرضت للضرب والتحرش بشكل متكرر، مؤكدة أن تجربة الاحتجاز خلّفت آثاراً نفسية عميقة ما تزال مستمرة حتى بعد الإفراج عنها.

من جانبها، أفادت الناشطة الفرنسية لاتيتيا ميرل، إحدى المشاركات في الأسطول، بأن المحتجزين القادمين من 44 دولة تعرضوا خلال أربعة أيام من الاحتجاز إلى سلسلة ممنهجة من الانتهاكات، شملت إجبارهم على الاستيقاظ ليلاً والسير وهم مكبّلو الأيدي في ظروف مهينة ومرهقة، إلى جانب الضرب والإكراه على ترديد شعارات مؤيدة لإسرائيل، فيما تعرض الرافضون لمزيد من العنف والإهانة.

وأكدت ميرل أن المحتجزين تعرضوا، وفق شهاداتها، لأشكال متعددة من العنف الجسدي والجنسي، إضافة إلى استجوابات مكثفة بشأن صلات مزعومة بحركة “حماس"، رغم تأكيد النشطاء أن مشاركتهم في الأسطول كانت ذات طابع إنساني بحت يهدف إلى إيصال المساعدات إلى المدنيين المحاصرين في قطاع غزة.

وفي السياق ذاته، تحدث الناشط سورايا ماك إيوان عن احتجازه لمدة 80 ساعة داخل مراكز احتجاز إسرائيلية، مشيراً إلى تعرضه للضرب داخل غرفة التحقيق، في وقت كان فيه الجنود يرددون النشيد الوطني الإسرائيلي، على حد قوله، مضيفاً أن تلك اللحظات دفعته لاستحضار معاناة المعتقلين الفلسطينيين، بمن فيهم الأطفال.

إدانات دولية واسعة 

وقد أثارت هذه الشهادات إدانات حقوقية متصاعدة، خاصة في ظل ما تضمنته من مزاعم بشأن التعذيب، والإهانات الجنسية، والصعق بالكهرباء، وتكسير الأضلاع، وغيرها من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وهي ممارسات تحظرها بشكل مطلق اتفاقية مناهضة التعذيب والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

وزادت حدة الانتقادات عقب نشر وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير مقطع فيديو يظهر عدداً من ناشطي “أسطول الصمود العالمي" وهم مقيّدو الأيدي وجاثون على ركبهم تحت إشرافه، عقب اعتراض الأسطول في المياه الدولية.

وأظهرت المشاهد المصورة المحتجزين في أوضاع مهينة ومذلة، بينما كان بن غفير يلوّح بعلم الاحتلال الإسرائيلي أمام أحد المعتقلين ويردد شعارات قومية، في حين ظهر عناصر أمن وهم يدفعون إحدى الناشطات أرضاً بعنف بعد هتافها “فلسطين حرة"، وسط تشغيل النشيد الإسرائيلي، في مشاهد أثارت موجة غضب واستنكار دولية واسعة.

ورأت جهات حقوقية أن هذه الأفعال تمثل انتهاكاً صارخاً لكرامة المحتجزين، وتحريضاً علنياً على الإهانة والمعاملة المهينة، بما يخالف المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما الالتزامات المتعلقة بحماية المدنيين والمحتجزين من أي معاملة حاطة بالكرامة الإنسانية.

وفي أعقاب انتشار هذه المشاهد، أعلنت عدة دول فتح تحقيقات أو اتخاذ خطوات دبلوماسية احتجاجية. وأكدت ألمانيا إصابة عدد من مواطنيها المحتجزين، ووصفت بعض المزاعم بأنها “خطيرة للغاية"، فيما كشف مصدر قانوني في إيطاليا أن النيابة العامة تحقق في جرائم محتملة تشمل الاختطاف والاعتداء الجنسي.

كما أعلنت تسع دول، بينها فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وأستراليا وكندا، استدعاء سفراء وممثلي إسرائيل لديها احتجاجاً على ما وصفته بـ" التنكيل" بالمحتجزين.

بدوره، وصف الاتحاد الأوروبي معاملة النشطاء بأنها “غير مقبولة إطلاقاً"، داعياً إلى احترام كرامتهم وضمان حمايتهم وفق القانون الدولي، والإفراج الفوري عنهم.

وقالت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر إنها “مصدومة للغاية" من مقاطع الفيديو المتداولة، مؤكدة أن الحكومة البريطانية طلبت توضيحات من السلطات الإسرائيلية، وتتابع أوضاع المواطنين البريطانيين المحتجزين عبر القنوات القنصلية.

كما أدانت تركيا ما وصفته بـ"العقلية الهمجية" للحكومة الإسرائيلية، بينما اعتبرت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني أن معاملة النشطاء، وبينهم مواطنون إيطاليون، “غير مقبولة وتنتهك الكرامة الإنسانية".

وفي سياق الاستجابة الإنسانية، أعلنت وزارة الخارجية التركية إجلاء 422 متطوعاً من المشاركين في “أسطول الصمود العالمي"، بينهم 85 مواطناً تركياً و337 أجنبياً من 41 دولة، عبر ثلاث طائرات خصصتها الخطوط الجوية التركية، مؤكدة أنها نسّقت العملية بالتعاون مع عدد من المؤسسات والمنظمات التركية، وقدمت الرعاية الطبية والإسعافات اللازمة للضحايا فور وصولهم إلى الأراضي التركية.

تؤكد الكرامة أن هذه الوقائع تستدعي فتح تحقيقات دولية مستقلة وشفافة في الانتهاكات المبلغ عنها، ومحاسبة قادة الاحتلال الإسرائيلي المسؤولين عنها، لا سيما في ظل خطورة الادعاءات المتعلقة بالتعذيب والعنف الجنسي والمعاملة المهينة، وهي جرائم لا تسقط بالتقادم بموجب القانون الدولي، وتستوجب المساءلة الجنائية الفردية أمام الآليات الدولية المختصة.