تستغل الحكومات في جميع أنحاء العالم بشكل منهجي قوانين مكافحة الإرهاب لإسكات المعارضين، واحتجاز النشطاء السلميين، وتسهيل القمع العابر للحدود، وفقًا لما أفادت به الكرامة في تقرير قدّمته إلى مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان (OHCHR).
وجاء هذا التقرير، المقدم في 20 مارس/آذار 2026، استجابةً لدعوة مكتب المفوض السامي لتقديم مدخلات، وذلك في سياق قرار مجلس حقوق الإنسان رقم 57/11 بشأن "الإرهاب وحقوق الإنسان". ومن المقرر عرض التقرير الأممي المرتقب، الذي يغطي الفترة من يوليو/تموز 2024 إلى يونيو/حزيران 2026، خلال الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان، المقرر انعقادها من 7 سبتمبر/أيلول إلى 9 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
وقال المحامي رشيد مصلي، مدير الكرامة: "على مدى أكثر من عقدين، رأينا كيف تحوّل قانون مكافحة الإرهاب من كونه درعًا لحماية السكان إلى سيف يُستخدم ضدهم". وأضاف: "نلاحظ أن العامل الأكثر استمرارًا في تغذية الانتهاكات المنهجية عالميًا هو اعتماد تعريفات فضفاضة للإرهاب لا تستوفي أيًا من معايير المشروعية أو الضرورة أو التناسب وفقًا للقانون الدولي. فعندما تستطيع الحكومة أن تصنّف الانتقاد السلمي للظلم على أنه ‘إرهاب’، فإن الأمر لم يعد يتعلق بمكافحة الإرهاب، بل بفرض السيطرة على الفكر والتعبير".
تعريفات فضفاضة تقود إلى انتهاكات منهجية لحقوق الإنسان
يتمثل جوهر نتائج الكرامة في الاستخدام الواسع لتعريفات الإرهاب بصيغ عامة وغير دقيقة إلى حدّ يشمل أنشطة محمية قانونًا إلى جانب التهديدات الحقيقية. ففي العديد من الولايات القضائية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ودول الاتحاد الأوروبي، تستهدف القوانين أفعالًا قد "تلحق ضررًا جسيمًا بسمعة الدولة" أو "تزعزع استقرار الهياكل السياسية أو الدستورية أو الاقتصادية أو الاجتماعية". ومن المتوقع أن تؤدي مثل هذه الصياغات إلى تجريم الاحتجاج السلمي والعمل الصحفي وأنشطة المجتمع المدني.
علاوة على ذلك، يوثق التقرير كيف يؤدي الخلط بين الإرهاب ومفاهيم واسعة وذات طابع ذاتي مثل "التطرف" و"التخريب" و "الراديكالية" إلى انحدار قانوني إضافي، حيث يتحول تركيز الدولة من منع العنف بفعالية إلى قمع المعارضة السياسية غير العنيفة. وعندما تُكرَّس هذه المفاهيم المطاطية في القوانين، فإنها تمنح الحكومات سلطات واسعة في المراقبة والإجراءات الإدارية لضبط المعتقدات، مع طمس الحدود فعليًا بين مكافحة الإرهاب المشروعة والقمع غير القانوني للأصوات الناقدة.
إجراءات إدارية تتجاوز الرقابة القضائية
من بين أكثر ما يثير القلق الاستخدام المتزايد للإجراءات الإدارية – بما في ذلك حظر الدخول، وعمليات الإبعاد غير القضائية، والاحتجاز الوقائي – التي تُطبّق خارج نطاق رقابة قضائية مستقلة وفعّالة. وتحرم هذه الإجراءات الأفراد من حق الطعن في احتجازهم أو إبعادهم الإداري أمام هيئة مستقلة، ومن حق الوصول إلى التمثيل القانوني، بل وحتى من الاستفادة من قرينة البراءة.
وقد وثّقت الكرامة حالات ملموسة لهذا النمط، من بينها على سبيل المثال لا الحصر:
• قيام إسبانيا بإبعاد إداري لمبلّغين عن المخالفات ومعترضين ضميريًا إلى الجزائر في انتهاك لمبدأ عدم الإعادة القسرية.
• فرض فرنسا حظر دخول على معارضين سياسيين جزائريين استنادًا إلى إدراج إداري جزائري غير قانوني على قوائم الإرهاب، رغم وجود مراسلة من المقرر الخاص المعني بحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب اعتبرت هذا الإدراج انتهاكًا لمبدأ المشروعية وضمانات الإجراءات القانونية الواجبة؛ وكذلك استخدام مذكرات استخباراتية غير موقّعة وغير مؤرخة مقدمة من دول ثالثة أمام المحاكم الإدارية الفرنسية في إطار إجراءات انتقامية ضد مدافعين عن حقوق الإنسان ومعارضين جزائريين.
• استخدام المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة لما يُسمى بـ"مراكز المناصحة/ إعادة التأهيل" لاحتجاز المعارضين السلميين إداريًا إلى أجل غير مسمى إلى أن يوافقوا على "إصلاح" أفكارهم بما يتماشى مع توجهات حكامهم.
وتستند هذه الإجراءات إلى قوانين خاصة بمكافحة الإرهاب ما تزال قائمة – بل وتم تشديدها في بعض الحالات – رغم تقارير زيارات قطرية صادرة عن أصحاب ولايات الإجراءات الخاصة للأمم المتحدة، ومراسلات متكررة تشير إلى عدم توافقها مع القانون الدولي.
تعاون دولي يمكّن القمع العابر للحدود
أصبح التعاون بين الدول في مجال مكافحة الإرهاب قناة لتصدير الممارسات القمعية عبر الحدود، مما يعرّض المعارضين وطالبي اللجوء والخصوم السياسيين لخطر شديد في الخارج. وقد استُخدمت منظمة الإنتربول، التي أُنشئت أصلًا لتسهيل التعاون المشروع في إنفاذ القانون، من قبل بعض الحكومات لملاحقة معارضين سياسيين عبر مذكرات توقيف ذات دوافع سياسية صادرة في إطار قوانين مكافحة الإرهاب.
وعندما حالت آليات مراجعة حقوق الإنسان في الإنتربول دون تنفيذ هذه المذكرات، لجأت الدول إلى اتفاقيات أمنية ثنائية وضمانات دبلوماسية لتحقيق النتيجة ذاتها، متجاوزة بذلك الرقابة الدولية وضماناتها القضائية الداخلية.
ومؤخرًا، وثّقت الكرامة قضية عايش الحربي، طالب لجوء سعودي مقيم في العراق، تم تسليمه إلى السعودية رغم وجود مراسلة عاجلة تحذّر من خطر حقيقي بالتعرض للتعذيب وإصدار حكم بالإعدام بحقه. وتُبرز هذه القضية نمطًا أوسع من عمليات التسليم والإبعاد التي تتم في تجاهل للحظر المطلق للإعادة القسرية، وتؤثر بشكل غير متناسب على أفراد لهم تاريخ من المعارضة السياسية تسعى دولهم إلى ملاحقتهم بدوافع انتقامية.
السعودية: قمع سياسي للحجاج في أقدس بقاع الإسلام في خرق للأمانة الدينية والقانون الدولي
في تقريرها، دقّت الكرامة ناقوس الخطر بشأن ممارسة موثّقة تقوم بها السلطات السعودية تتمثل في الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري لغير السعوديين أثناء أدائهم مناسك الحج في مكة. ويُستهدف هؤلاء بناءً على انتماءات مزعومة إلى جماعات تُعدّ معادية للسياسة الخارجية السعودية، لا سيما من جنسيات دول ترتبط السعودية فيها بتدخل عسكري أو سياسي مباشر، بما في ذلك اليمن وليبيا.
وتجري عمليات الاعتقال والاحتجاز دون توجيه تهم أو توفير ضمانات إجرائية، بالاستناد إلى تعريف موسّع للإرهاب في السعودية يشمل صراحة الانتقاد السلمي للحاكم أو لحلفاء البلاد الإقليميين. ويثير ذلك قلقًا بالغًا خاصة أن عام 2024 شهد قدوم 1.6 مليون حاج دولي من أكثر من 180 دولة لأداء مناسكهم الدينية، دون أن يكون لديهم أي سبب للاعتقاد بأن ذلك قد يعرّضهم للاعتقال التعسفي، ما يوسّع نطاق القمع السعودي ليطال رعايا من مختلف أنحاء العالم.
وقال المحامي مصلي: "يسافر المسلمون من جميع أنحاء العالم إلى مكة لأداء أحد أقدس شعائر دينهم، دون أن يخطر ببالهم أن ذلك قد ينتهي باعتقالهم واختفائهم". وأضاف: "ومع ذلك، استخدمت السلطات السعودية موسم الحج كفرصة لاحتجاز أفراد بسبب آرائهم السياسية التي يحملونها على بُعد آلاف الأميال. ولا ينبغي لأي دولة أن تستغل وصايتها على الأماكن المقدسة لممارسة القمع السياسي العابر للحدود، في انتهاك للقانون الدولي ولأمانة دينية تمتد لقرون".
الحق في الحياة والحرية والأمان: التعذيب والإخفاء واستخدام الأدلة السرية
وثّقت الكرامة، في مختلف أنحاء العالم العربي، أنماطًا من الانتهاكات الجسيمة للحقوق في الحياة والحرية والأمان في سياقات مكافحة الإرهاب، تشمل الاحتجاز دون تهم أو أساس قانوني كافٍ، وحرمان الأفراد من الضمانات الأساسية للإجراءات القانونية الواجبة، والتعذيب، والإخفاء القسري، بما يخلق بيئة من الانتهاكات المنهجية غير المرصودة.
وحتى في الدول الديمقراطية، اعتمدت الحكومات على معلومات استخباراتية غير موثّقة من شركاء أجانب، وعلى معلومات سرية، بدلًا من أفعال عنف محددة بوضوح، لتبرير إجراءات إدارية تتراوح من حظر الدخول إلى الإدانة الجنائية. ويؤدي الاعتماد على أدلة سرية لا يستطيع المتهمون الاطلاع عليها أو الطعن فيها إلى إفراغ قرينة البراءة من مضمونها.
تجريم المعارضة: من قمع التضامن مع غزة عالميًا إلى "مراكز المناصحة" في الخليج
خلال فترة إعداد التقرير، رصدت الكرامة حملة عالمية على حرية التعبير استهدفت الأصوات المنددة بالإبادة في غزة، حيث استُخدمت أطر مكافحة الإرهاب ضد المحتجين حتى في الديمقراطيات الراسخة.
وفي السعودية والإمارات، تعمل ما يُسمى بـ"مراكز المناصحة" كمؤسسات لفرض إعادة تشكيل الفكر قسرًا، حيث يُحتجز المعتقلون السياسيون بعد انتهاء مدد أحكامهم التعسفية أصلًا إلى أن ترى السلطات أنهم تخلوا عن آرائهم الدينية أو السياسية غير المعتمدة. وفي الحالة السعودية، تعتبر العقيدة الدينية الرسمية للدولة أن الانتقاد العلني للحاكم يُعدّ مخالفة دينية بموجب قانون مكافحة الإرهاب، ما يجعل المعارضة جريمة سياسية ودينية في آنٍ واحد.
وفي الوقت ذاته، أدت عمليات الإدراج الغامضة – التي تصنّف أفرادًا ومنظمات على أنهم مرتبطون بالإرهاب دون مراجعة قضائية أو فرصة حقيقية للطعن – إلى آثار متسلسلة خطيرة، حيث وجدت منظمات تعمل مع المجتمعات المسلمة نفسها غير قادرة على الوصول إلى الخدمات المصرفية الأساسية، ما اضطر بعضها إلى الإغلاق التام، حتى في دول ديمقراطية.
قانون إسقاط الجنسية في الجزائر: من أشد الإجراءات قسوة عالميًا
في واحدة من أوسع وأشد تدابير سحب الجنسية تطرفًا من الناحية القانونية في المنطقة خلال السنوات الأخيرة، صوّت البرلمان الجزائري بالإجماع في غرفتيه في ديسمبر/كانون الأول 2025 على إدخال مادة جديدة (22 مكرر) إلى قانون الجنسية، ونُشرت في فبراير/شباط 2026.
وتجيز هذه التعديلات للسلطات سحب الجنسية من أي مواطن في الخارج بناءً على "مؤشرات خطيرة ومتقاطعة" على سلوك قد "يضر بمصالح الجزائر أو وحدتها الوطنية أو أمن الدولة أو استقرار مؤسساتها". وقد استُمدت هذه الصياغات مباشرة من تعريف فضفاض للإرهاب في قانون العقوبات الجزائري، سبق أن انتقدته إجراءات الأمم المتحدة الخاصة لكونه غامضًا ويتيح تجريم الممارسة المشروعة لحرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات والمشاركة في الحياة العامة.
كما تشمل الأسس الجديدة قيادة أو المشاركة في أو تمويل أو الترويج لما يُسمى بـ"جماعات إرهابية أو تخريبية"، وهي فئات واسعة بما يكفي لتشمل تقريبًا أي شكل من أشكال المعارضة المنظمة، مع ترك تحديد من يندرج ضمنها بالكامل للسلطات، دون أي إمكانية للطعن الإداري أو القضائي.
والأكثر لفتًا أن القانون يستبعد صراحة أي شكل من أشكال الطعن أمام المحاكم الإدارية أو العادية، ويمتد ليشمل المنظمات غير الحكومية التي تتلقى تمويلًا أجنبيًا وتوثق انتهاكات حقوق الإنسان، ما يجعل العمل الحقوقي نفسه سببًا محتملًا لانعدام الجنسية. ويضع هذا الإجراء الجزائر ضمن أكثر الدول قمعًا عالميًا في هذا المجال، ويُعد مثالًا صارخًا على توظيف أطر مكافحة الإرهاب للقضاء على الفضاء المدني المستقل وإسكات توثيق الانتهاكات.
تمييز منهجي ضد المجتمعات المسلمة تحت مظلة مكافحة الإرهاب
يوثق تقرير الكرامة أنماطًا مستمرة من التطبيق التمييزي لقوانين مكافحة الإرهاب ضد المجتمعات المسلمة في الدول التي تشكل فيها هذه المجتمعات أقليات. وقد أدت البنود المتعلقة بالدوافع الدينية في التشريعات إلى محاكمة الممارسات الإسلامية ذاتها، مع تغليب التنميط الديني على العناصر الجوهرية للمسؤولية الجنائية.
ويُعدّ تجريم الممارسات الدينية باعتبارها مؤشرًا على "التطرف" – ومن ثم إدراجها ضمن أطر مكافحة الإرهاب – خلطًا خطيرًا بين الحرية الدينية المكفولة دوليًا والسلوك الإجرامي. وقد بدأ هذا المنطق التمييزي يمتد إلى حركات اجتماعية أخرى، بما في ذلك النشطاء البيئيون، مما يعكس اتساع نطاق الضرر الناتج عن أطر مكافحة الإرهاب الفضفاضة والمسيّسة.
التوصيات
استنادًا إلى هذه النتائج، دعت الكرامة مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان إلى حث الدول على تنفيذ إصلاحات، منها:
• اعتماد تعريفات ضيقة للإرهاب متوافقة مع حقوق الإنسان، تقتصر على القتل العمد أو إلحاق أذى جسدي جسيم، مقترنًا بنية محددة لترويع السكان أو إكراه الحكومة.
• حذف الإشارات إلى الدوافع الأيديولوجية أو السياسية أو الدينية من تعريفات الإرهاب، نظرًا للأنماط المثبتة للاستخدام التمييزي لهذه المعايير.
• مراجعة وإلغاء الأنظمة الوطنية لمكافحة "التطرف" التي تجرّم المعتقدات أو الارتباطات أو السلوك غير العنيف، واستبدالها بتدابير تستهدف فقط الجرائم العنيفة المحددة بوضوح.
• إدراج استثناءات صريحة في تعريفات الإرهاب للأنشطة غير العنيفة، مثل التعبير والتجمع، والعصيان المدني، والعمل النقابي، والعمل الإنساني والحقوقي، والمخالفات العادية المتعلقة بالنظام العام.
• وضع ضمانات ملزمة لمنع التطبيق التمييزي، بما في ذلك حظر التنميط على أساس الدين أو العرق أو الرأي السياسي.
• إصلاح آليات التعاون الدولي لمنع استخدامها في القمع العابر للحدود، بما في ذلك من خلال رقابة مستقلة على الاتفاقيات الثنائية والضمانات الدبلوماسية.
• تعزيز ولاية وقدرات المقرر الخاص المعني بحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب ليعمل كآلية مراجعة دولية مستقلة قادرة على تحديد سبل الانتصاف الفعالة لانتهاكات القانون الدولي.
ماذا بعد؟
سيسهم تقرير الكرامة في إعداد تقرير المفوض السامي لحقوق الإنسان المرتقب تقديمه إلى مجلس حقوق الإنسان خلال دورته الثالثة والستين. ويأتي هذا التقرير تنفيذًا لقرار المجلس رقم 57/11، الذي يكلّف بدراسة تأثير الإرهاب على حقوق الإنسان وكذلك الانتهاكات المرتكبة باسم مكافحته.
ومن المتوقع أن تشكّل مدخلات المجتمع المدني العمود الفقري للأدلة في تقرير المفوض السامي، وأن تُنشر على موقع مكتب المفوضية. وسيُعرض التقرير على الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان، موفّرًا منصة متعددة الأطراف لمساءلة ممارسات الدول في مكافحة الإرهاب وفرصة للدفع نحو المساءلة والإصلاح.
بدورها، تدعو الكرامة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، والهيئات الإقليمية، والشركاء الدوليين إلى التعامل بجدية مع نتائج التقرير المرتقب للمفوض السامي، والالتزام بمواءمة أطر مكافحة الإرهاب الخاصة بهم مع التزاماتهم الدولية في مجال حقوق الإنسان.
لمزيد من المعلومات حول عملنا في مجال مكافحة الإرهاب وحقوق الإنسان: هنا
للتواصل: info@alkarama.org