تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
المفوض السامي - تونس

دعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان "فولكر تورك" تونس إلى إنهاء نمط القمع المتزايد الذي يستهدف منظمات المجتمع المدني والصحافيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والشخصيات المعارضة والناشطين وأعضاء السلطة القضائية، عبر تحريك دعاوى جزائية ضدهم وفرض قيود إدارية عليهم.

وقال تورك في بيان له: "إن القمع المستمر والقيود المفروضة على الفضاء المدني من قبل السلطات التونسية تقوض حقوق الناس المحمية بموجب الدستور والتزامات تونس الدولية في مجال حقوق الإنسان".

وضرب بيان المفوض السامي مثالا على حملة القمع هذه التعليقَ المؤقت لعمل منظمات حقوق إنسان ومجتمع مدني رئيسية. إذ أوقفت محكمة تونسية عمل منظمة "محامون بلا حدود" الدولية لمدة 30 يوماً، مرجعةً القرار إلى وجود خلل في الرقابة التنظيمية. يأتي ذلك بعد أيام من تعليق مماثل لعمل الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان البارزة. وغالباً ما تذكر السلطات وجود مخالفات في التمويل والتدقيق كمبرر لهذه القرارات، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تعطيل كامل لمجمل الأنشطة الأساسية لهذه المنظمات في مجال حقوق الإنسان.

وتابع المفوض السامي: "إننا نلاحظ اتجاهاً متعاظماً تلجأ فيه السلطات التونسية إلى استخدام عقوبات مفروضة قضائية بهدف تقييد ممارسة الحق في حرية تكوين الجمعيات، مع إيلاء أدنى اعتبار لمبادئ القانونية والضرورة والتناسب، وهي مبادئ مطلوبة كي تكون مثل هذه القيود مشروعة،".

وحثّ تورك السلطات التونسية على الإفراج الفوري وغير المشروط عن كل المعتقلين والمسجونين بسبب تعبيرهم عن آرائهم المحمية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، ورفع جميع القيود التعسفية المفروضة على حريات التعبير وتكوين الجمعيات، مضيفاً أن عدم وجود محكمة دستورية فاعلة لا يزال يمثل قصوراً مؤسسياً كبيرا في إرساء ضمانات فعالة لحقوق الإنسان.

وطالب تورك بالحفاظ على المكاسب الديمقراطية وحقوق الإنسان التي حققتها تونس بعد عام 2011، وليس تفكيكها تدريجياً.

نشاط الكرامة

بدورها، تواصل الكرامة بالتعاون مع منظمات مجتمع مدني معنية بحقوق الإنسان في تونس، توثيق "الانتهاكات المنهجية" في البلاد، حيث نجحت مع شركائها في تحويل ملفات بعض المعتقلين السياسيين إلى قضايا رأي عام دولي عبر بوابة الأمم المتحدة. ومن خلال مذكراتها القانونية أمام الآليات الأممية، استطاعت الكرامة انتزاع اعترافات صريحة من الهيئات الأممية بأن حملة الاعتقالات التي استهدفت قادة المعارضة والقضاة تفتقر إلى أدنى معايير المحاكمة العادلة، معتبرة أن استخدام القضاء لملاحقة المعارضة السياسية يشكل تراجعاً خطيراً عن مكتسبات حقوق الإنسان في البلاد.

ففي قرار تاريخي يحمل الرقم 63/2025، اعتمده فريق العمل المعني بالاحتجاز التعسفي (WGAD)، في 10 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، أُدينت السلطات التونسية رسمياً بحرمان رئيس البرلمان المنحل، السيد راشد الغنوشي، من حريته بشكل تعسفي. وشدد القرار، الذي جاء بناءً على شكوى قدمتها "الكرامة" وجمعية ضحايا التعذيب في تونس AVTT، على أن احتجاز الغنوشي منذ مداهمة منزله في 17 أبريل/ نيسان 2023 ينتهك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، مؤكداً أن المحاكمات التي تلت ذلك كانت بدوافع سياسية محضة، ومطالباً السلطات بالإفراج الفوري عنه وتعويضه.

وقد جاء اعتقال السيد الغنوشي كجزءٍ من الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس قيس سعيّد اعتبارًا من 25 يوليو/تموز 2021، عندما قام الرئيس التونسي بإقالة رئيس الحكومة، وتعليق عمل البرلمان، ورفع الحصانة عن أعضاء البرلمان، وتقييد العديد من الحريات الفردية والجماعية، في انتهاك لدستور البلاد.
وازداد الوضع السياسي في تونس تدهورًا، بعد أن أعقبت هذه الإجراءات اعتقالات تعسفية، وإقالة مسؤولين في الحكومة وفي الجهاز القضائي، واتباع سياسة قمعية استهدفت جميع أعضاء المعارضة، ولا سيما أعضاء حزب النهضة.

ومنذ ديسمبر/كانون الأول 2022، جرى اعتقال ما لا يقل عن 17 عضواً حالياً أو سابقاً في الحزب، من بينهم راشد الغنوشي الذي لم يتوقف عن التعبير علناً وبشكل سلمي للتنديد بالمساس بدولة القانون والدعوة إلى العودة إلى الشرعية الدستورية والمسار الديمقراطي.

وفي وقت سابق، نجحت الكرامة في استصدار موقف أممي حاسم بشأن قضية القاضي بشير العكرمي، الذي تم إيقافه في 12 فبراير/ شباط 2023، حيث أصدر فريق العمل الأممي المعني بالاحتجاز التعسفي رأيه رقم 2/2025 بشأن القاضي بشير العكرمي المدعي العام السابق والأكاديمي المعتقل تعسفيًا في تونس، وذلك بموجب شكوى مشتركة قدمتها الكرامة وجمعية ضحايا التعذيب في تونس AVTT بتأريخ 31 يناير/ كانون الثاني 2024، إلى فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي (WGAD).

وفي قراره سلط الفريق العامل الضوء على أن احتجاز قاضٍ على خلفية مزعومة تتعلق بممارسته لمهامه القضائية يمسّ جوهر سيادة القانون. مضيفًا بأن ملابسات قضية السيد بشير العكرمي – بما في ذلك اعتقاله عقب رفضه لضغوط خارجية في قضايا حساسة، وإيداعه في مستشفى للأمراض النفسية دون مبرر ظاهر، وملاحقته في قضايا سبق أن تم حفظها أو صدرت فيها قرارات بعدم التتبع – تمثل نمطًا مقلقًا من الترهيب القضائي يتجاوز الظروف الفردية للسيد العكرمي، ويهدد ليس فقط حقوقه، بل ونزاهة النظام القضائي التونسي بأسره. وقد تبعث هذه الإجراءات برسالة ترهيبية مروعة إلى كافة القضاة الذين يتمسكون باستقلاليتهم في وجه الضغوط السياسية.

كما تابعت الكرامة قضية الوزير السابق والقيادي بنهضة، نور الدين البحيري الذي تعرض لاعتقال عنيف في 13 فبراير/ شباط 2023. وأشارت الكرامة في مذكراتها إلى أن استهدافه المستمر يمثل انتهاكاً لالتزامات تونس الدولية.