تُسهم التعريفات الفضفاضة والواسعة للغاية التي تعتمدها الحكومات لمفاهيم «الإرهاب» و«المنظمات الإرهابية» و«التطرف العنيف» في وقوع انتهاكات خطيرة ومنهجية لحقوق الإنسان في مختلف أنحاء العالم، وينبغي تضييقها جذريًا في أي إطار جديد للأمم المتحدة، وفق ما أكدته الكرامة في أحدث تقاريرها المقدَّمة إلى المقرّر الخاص للأمم المتحدة المعني بمكافحة الإرهاب وحقوق الإنسان.
يأتي هذا التقرير استجابةً لنداء المقرّر الخاص لتقديم مساهمات بشأن تعريفات «الإرهاب» و«المنظمة الإرهابية» و«التطرف العنيف»، تمهيدًا لإعداد تقرير موضوعي يُعرض على مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في مارس/آذار 2026. ويقدّم التقرير تحليلًا قانونيًا معمّقًا للقوانين والممارسات التعسفية لمكافحة الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع توسيع نطاقه ليشمل مناطق أخرى، بما فيها الاتحاد الأوروبي. واستنادًا إلى هذا التحليل، تطرح الكرامة توصيات ملموسة لوضع تعريف دولي مُنقّح للإرهاب يتوافق مع حقوق الإنسان.
وقال الأستاذ رشيد مصلي، مدير الكرامة: "تُظهر عقود من الخبرة أن طريقة تعريف (الإرهاب) ليست مسألة قانونية تقنية جافة، بل هي أحد المحركات الرئيسية للقمع والتمييز وتضييق الفضاء المدني حول العالم. ولدى خبير الأمم المتحدة فرصة حاسمة للإصرار على تعريف محدد قائم على الضرر الفعلي للإرهاب، والحدّ من استخدام مكافحة الإرهاب كأداة لقمع المعارضين والأقليات والمدافعين عن حقوق الإنسان على حد سواء".
يركّز تقرير الكرامة على ست قضايا رئيسية: مخاطر حقوق الإنسان الناجمة عن تعريفات الإرهاب الحالية؛ العناصر المادية للسلوك الإجرامي في التعريف (الركن المادي)؛ العناصر الذهنية والأغراض (الركن المعنوي)؛ تصنيف «المنظمات الإرهابية»؛ أوجه القصور في مشروع الاتفاقية الشاملة للأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب؛ ومخاطر إدماج مفهومي «التطرف العنيف» و«التطرف» كفئات قانونية موازية ضمن أطر منع الإرهاب.
تعريفات الإرهاب الواسعة والانتهاكات الحقوقية
يوثّق التقرير كيف أسهمت التعريفات الغامضة والفضفاضة للإرهاب في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في تجريم التعبير السلمي، والتجمع، وتكوين الجمعيات، والممارسة الدينية، فضلًا عن استهداف المعارضة السياسية، والحركات الاجتماعية، ومنظمات المجتمع المدني.
وبالإضافة إلى تحليله للسمات المشتركة بين دول المنطقة، تسلّط الكرامة الضوء على نتائجها في دول الاتحاد الأوروبي، حيث جرى تبرير إجراءات إدارية قاسية ومتعددة استنادًا إلى قوانين واسعة تتعلق بالإرهاب و«التطرف» والأمن، بما في ذلك عمليات طرد غير قانونية قائمة على ملفات استخباراتية غامضة وغير خاضعة للرقابة بدلًا من أفعال عنف أو تهديدات محددة بوضوح. وقد خلصت الكرامة وهيئات أخرى مرارًا إلى أن هذه التعريفات التي انتقلت من قوانين الطوارئ إلى التشريعات العادية تُطبَّق بشكل تعسفي وتمييزي.
ويكشف التقرير كذلك عن نمط مقلق يتمثل في تطبيع قوانين مكافحة الإرهاب التي وُضعت أصلًا لظروف استثنائية، ما أوجد مناخًا يمكن فيه تجريم الأنشطة السلمية وإخضاع مجتمعات بأكملها لرقابة غير متناسبة. وقد أدّى ذلك إلى تآكل حماية الحقوق الأساسية وتعزيز التمييز المنهجي، لا سيما بحق المجتمعات المسلمة وغيرها من الفئات المستهدفة ليس بسبب أفعال عنيفة، بل لمجرد هويتها أو معتقداتها.
كما يصف التقرير كيفية انتقال الممارسات التعسفية من دولة إلى أخرى عبر التعاون الدولي في مجال مكافحة الإرهاب، ما يخلق أضرارًا عابرة للحدود تهدّد المعارضين الذين يسعون للجوء في الخارج. وتتجلّى هذه الممارسات في عمليات طرد تعسفية وإعادات قسرية قائمة على اعتبارات أمنية تُنفَّذ تحت مسمّيات إرهابية موسّعة، وغالبًا ما تنتهك الحماية الأساسية من التعذيب ومبدأ عدم الإعادة القسرية. وقد أدّى هذا التعاون الدولي، الذي أُنشئ لمكافحة الإرهاب، إلى مسارات خطيرة تعرّض الأفراد الضعفاء لخطر الاضطهاد والتعذيب.
الحاجة إلى تعريف ضيق قائم على الضرر
يحثّ التقرير المقرّر الخاص على مراجعة التعريف النموذجي للإرهاب الصادر عام 2010، والذي يشكّل معيارًا لأفضل الممارسات. ووفق هذا النهج، ينبغي حصر الإرهاب في الأفعال المتعمّدة التي تشكّل قتلًا أو إلحاق إصابة بدنية جسيمة، وتُرتكب بقصد محدد يتمثل في الإكراه غير المشروع لحكومة أو منظمة دولية. ويقترح التقرير قصر نطاق الأفعال على القتل والإصابات الجسيمة فقط، وحصر القصد الخاص في إكراه الحكومات والمنظمات، بما يحمي الحق في العصيان المدني والاحتجاج.
وفي هذا السياق، تدعو الكرامة إلى الاستبعاد الصريح من التعريف الجوهري للإرهاب للجرائم التي تقتصر على الممتلكات أو الأضرار الاقتصادية البحتة، وكذلك للأهداف الغامضة مثل "زعزعة الهياكل السياسية أو الدستورية أو الاقتصادية أو الاجتماعية بشكل خطير"، والعناصر الدافعية القائمة على الدين أو غيره من الخصائص المحمية. كما توصي بإدراج بنود صريحة تحمي الاحتجاج السلمي، والنشاط النقابي، وأعمال حقوق الإنسان والإغاثة الإنسانية، والأنشطة الأكاديمية والصحفية، والتعبير الفني، والممارسة الدينية من تصنيفها كأعمال إرهابية، بما يضمن بقاء الأنشطة المشروعة محمية من تبعات تطبيق قوانين مكافحة الإرهاب.
العنصر الذهني، والأغراض، وبنود الدوافع التمييزية
يؤكد التقرير ضرورة تحديد عنصر ذهني واضح يتطلب قصدًا خاصًا لارتكاب الفعل العنيف وإحداث الضرر المعني، رافضًا المعايير الأدنى مثل الإهمال أو مجرد توقّع الضرر بالنسبة لجرائم الإرهاب الأساسية. وبينما يدعم الإبقاء على الإرهاب كجريمة ذات قصد مزدوج — العنف الجسيم إلى جانب القصد الخاص المتمثل في ترويع السكان أو إكراه حكومة أو منظمة دولية — فإنه يبرز الحاجة إلى تقييد القصد الثاني لتجنّب تجريم العصيان المدني.
كما يحذّر التقرير من تعريف الإرهاب استنادًا إلى الدوافع السياسية أو الدينية أو الأيديولوجية، منتقدًا بشكل خاص القوانين والممارسات التي دفعت المحاكم إلى اعتبار الممارسة الدينية الإسلامية نفسها موضوعًا للملاحقة الجنائية. وبالاستناد إلى تحليلات قانونية من عدة دول في المنطقة ودول غربية، يخلص تقرير الكرامة إلى أن اشتراط الدافع غير ضروري بموجب القانون الدولي، ويسهم في قمع المجتمع المدني وفي التفريط بحماية المجتمعات المسلمة ضمن جهود مكافحة الإرهاب ومنع التطرف.
تعريف «المنظمة الإرهابية» وتنظيم ممارسات الإدراج
تؤيد الكرامة وضع تعريف دولي ضيق لـ«المنظمة الإرهابية» لأغراض الإدراج والتصنيف، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتعريف مقيد للإرهاب. ولا ينبغي اعتبار منظمة ما «إرهابية» إلا إذا كانت ذات هيكل مستقر وكانت أغراضها أو أنشطتها الأساسية تتمثل في التخطيط أو التوجيه أو ارتكاب أفعال تندرج ضمن التعريف الجوهري الصارم للإرهاب.
ويدعو التقرير إلى توفير ضمانات قوية لأنظمة الإدراج والتصنيف، بما في ذلك إشراك القضاء أو هيئات مستقلة شبه قضائية في قرارات الإدراج؛ والحق الفعّال في الإخطار والطعن؛ ومعايير إثبات واضحة؛ ومراجعات دورية أو بنود انتهاء الصلاحية؛ وحظر صريح للتصنيفات القائمة فقط على مذكرات استخباراتية سرية أو على التقارب الأيديولوجي أو الهوية الدينية أو الارتباط السلمي.
ويشدّد أخيرًا على أنه لا يجوز إدراج منظمات حقوق الإنسان، والمنظمات الإنسانية، والمؤسسات الأكاديمية، ونقابات الصحفيين، والمؤسسات الدينية، وغيرها من فاعلي المجتمع المدني لمجرد أنشطتها القانونية أو اتصالاتها المشروعة.
قصور مشروع الاتفاقية الشاملة للأمم المتحدة
يخلص التقرير إلى أن تعريف الإرهاب الوارد في مشروع الاتفاقية الشاملة للأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، الجاري التفاوض بشأنه منذ عام 2001، لا يزال غير كافٍ ويتطلّب تحسينات كبيرة. وتحذّر الكرامة من أن المشروع يعكس العديد من العيوب الموجودة في القوانين الوطنية بمناطق مختلفة، بما في ذلك الاعتماد على مفاهيم واسعة مثل «الضرر الجسيم» و«الخسارة الاقتصادية الكبرى» والتهديدات التي تطال «الهياكل السياسية أو الدستورية أو الاقتصادية أو الاجتماعية الأساسية»، مع الإخفاق في تضمين ضمانات صريحة لعدم التمييز ولحقوق الإنسان.
وتوصي الكرامة بمواءمة تعريف الاتفاقية مع التعريف النموذجي المُنقّح للمقرّر الخاص، وإدراج بنود واضحة لعدم التمييز وحقوق الإنسان، وتعزيز الحماية من الإعادة القسرية وغيرها من الانتهاكات الجسيمة.
رفض «التطرف العنيف» و«التطرف» كفئات قانونية
يخلص التقرير إلى أن مفهومي «التطرف العنيف» و«التطرف» شديدا المرونة إلى حدّ يجعلهما غير قابلين لتعريف قانوني مناسب يتماشى مع القانون الدولي لحقوق الإنسان، وبالتالي لا ينبغي إدراجهما في الأطر القانونية الدولية كفئات ملزمة.
فهذه المصطلحات تفتقر إلى عنصر مادي واضح وتركّز بدلًا من ذلك على المعتقدات والاتجاهات و«الراديكالية» المتصوَّرة، ما أدّى إلى استهداف غير متناسب للمسلمين وغيرهم من الفئات، وإلى توسيع أدوات مكافحة الإرهاب لتشمل ناشطين بيئيين وغيرهم من فاعلي المجتمع المدني.
وتوصي الكرامة بأن تشجّع أي إرشادات أممية جديدة الدول على عدم استخدام «التطرف العنيف» و«التطرف» كمصطلحات قانونية نافذة، والاعتماد بدلًا من ذلك على جرائم محددة بوضوح.
التوصيات الرئيسية
في الختام، قدّمت الكرامة عدة توصيات ضمن ولاية المقرّر الخاص، من بينها في ما يتعلق بمراجعة التعريف النموذجي للإرهاب تعديل تعريف عام 2010 للإرهاب ليقتصر على الأفعال التي تُحدث أذى بدنيًا جسيمًا أو وفاة. وبناءً على ذلك، من الضروري:
• حصر التعريف في أعمال العنف الجسدي الخطير ضد الأشخاص.
• استبعاد الجرائم الواقعة على الممتلكات (كالسرقة وتدمير المعدات، إلخ).
• تجنّب الأسس الغامضة أو التمييزية (مثل الدين أو العِرق).
• قصر التعريف على الأفعال ذات الأهداف الإرهابية الواضحة والمحددة (ترويع السكان، ومع مراعاة الضمانات الأساسية، التأثير على سلوك دولة أو منظمة).
ضمان حماية الحقوق الأساسية في قوانين مكافحة الإرهاب
نظرًا للانتهاكات المنهجية والعالمية للحقوق الأساسية المرتكبة في سياق مكافحة الإرهاب، ينبغي تضمين أي تعريفات دولية للإرهاب ضمانات قوية لحقوق الإنسان. وتشمل التدابير العملية لتحقيق ذلك ما يلي:
• إدراج مبدأ عدم التمييز صراحةً في تطوير وتنفيذ قوانين مكافحة الإرهاب.
• ضمان احترام حقوق اللاجئين.
• التطبيق الصارم لمبدأ عدم الإعادة القسرية الذي يحظر إعادة أي شخص إلى بلد قد يتعرّض فيه لخطر التعذيب أو الاضطهاد.
• حماية الفضاء المدني بما يتيح للمواطنين التعبير عن آرائهم والتجمع سلميًا.
حماية الأنشطة المشروعة
يجب ألا تجرّم قوانين مكافحة الإرهاب أبدًا الممارسة المشروعة للحقوق والحريات الأساسية، بما في ذلك:
• التعبير السلمي عن الآراء.
• الحق في التجمع السلمي.
• حرية تكوين الجمعيات.
• حرية الدين.
كما ينبغي ضمان حماية الأنشطة المشروعة مثل:
• العمل في مجال حقوق الإنسان.
• الأنشطة الإنسانية.
• البحث الأكاديمي.
• الصحافة.
• الإبداع الفني.
• ممارسة مهنة المحاماة.
إطار صارم ومستقل لإدراج وتصنيف المنظمات الإرهابية
أوصت الكرامة بتحديد مفهوم «المنظمة الإرهابية» بدقة شديدة، ووضع إجراءات صارمة للغاية لإدراج أو تصنيف أي منظمة على هذا الأساس. وينبغي أن تتضمن هذه الضمانات دائمًا إجراءات أساسية مثل:
• رقابة المحاكم المستقلة.
• الحق في الوصول إلى العدالة للطعن الفعّال في القرار.
• إمكانية الاستئناف، بما في ذلك أمام آليات دولية مستقلة مثل ولاية المقرّر الخاص نفسه.
تجنّب الفئات القانونية الغامضة
شدّدت الكرامة على أهمية عدم إنشاء جرائم جديدة تستند إلى مفاهيم فضفاضة وقابلة للتلاعب مثل «التطرف».
ويجب أن يعطي أي تعريف للإرهاب الأولوية للجرائم الجنائية القائمة المحددة بوضوح وتطبيق القوانين الجنائية التقليدية على السلوك الإجرامي. فهذه الضمانات أساسية لمنع إساءة استخدام قوانين مكافحة الإرهاب أو تطبيقها بشكل تمييزي.
وفي هذا السياق يقول المحامي رشيد مصلي: «لقد استخدمت الدول لغة مكافحة الإرهاب لمعاقبة الناس ليس على ما فعلوه، بل على من هم وما يؤمنون به. وينبغي على الأمم المتحدة الإصرار على أن يُعرَّف “الإرهاب” حول أفعال عنف محددة بوضوح، وأن يتضمن أي إطار عالمي ضمانات قوية ضد التمييز والاعتداء على الفضاء المدني».
للمزيد من تقارير الكرامة حول مكافحة الإرهاب وحقوق الإنسان، يُرجى زيارة:
https://www.alkarama.org/en/issues/terrorism-counter-terrorism